الرئيس الفلسطيني يوفد نجله ياسر لبيروت لبحث نزع سلاح المخيمات.. وغضب ومخاوف أمنية وتحرّكات دبلوماسية
من الياس الياس
بيروت ـ يورابيا ـ من الياس الياس ـ فيما يزور ياسر نجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس العاصمة اللبنانية بيروت لبحث عملية نزع سلاح المخيمات الفلسطينية في لبنان، انفجر الوضع في مخيم عين الحلوة حيث اضطرت مديرة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) دوروثي كلاوس، إلى إلغاء زيارتها للمخيم بعد تصدّي عدد من الأهالي لها.
ويعكس هذا المشهد حجم الغليان داخل المخيمات الفلسطينية احتجاجاً على ما وصفوه بـ”انحياز الوكالة ضد حقوق اللاجئين الفلسطينيين”. المحتجون اتهموا “الأونروا” بتجميد عشرات الموظفين الفلسطينيين بسبب تعبيرهم عن التضامن مع غزة، بالإضافة إلى تقليص خدمات أساسية يعيش اللاجئون على حدّها الأدنى أصلاً مع تردد الانباء عن قرب تفيذ الدولة اللبنانية خطة لنزع سلاح من المخيمات الفلسطينية في البلاد.
ويشير مراقبون إلى أن هذه الحادثة لم تكن فقط نتيجة تراكم السياسات التقشفية للوكالة، بل جاءت أيضاً في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد المخاوف من تفلّت أمني داخل المخيمات، قبيل الزيارة المرتقبة للرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى بيروت في 21 أيار/مايو الجاري.
زيارة مرتقبة لعباس محورها السلاح… وتحذيرات من تفجير الأوضاع
وبحسب مصادر فلسطينية، فإن عباس يستعد لطرح مبادرة متكاملة تتناول “الرزمة الفلسطينية” في لبنان، والتي تشمل تنظيم ملف السلاح داخل المخيمات ومنح اللاجئين حقوقهم المدنية. مصادر في حركة “فتح” أكدت أن نجل عباس، ياسر عباس، زار بيروت مؤخراً والتقى عدداً من المسؤولين الأمنيين اللبنانيين ممهّدًا للزيارة.
لكن زيارة عباس وطرح ملف السلاح داخل المخيمات لا تحظى بإجماع فلسطيني. فقد أبدت فصائل مثل “حماس” و”الجهاد الإسلامي” رفضها لما وصفته بـ”الاستفراد بالقرار الفلسطيني”، معتبرة أن بحث مثل هذا الملف يجب أن يسبقه توافق فلسطيني – فلسطيني، وليس فقط تنسيق مع الدولة اللبنانية.
إيفاد ياسر عباس إلى بيروت… تحذيرات من تكرار الماضي
في هذا السياق، أفادت مصادر في حركة “فتح” بأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أرسل نجله ياسر عباس إلى بيروت في الأيام الماضية، لتنسيق الزيارة والتباحث مع عدد من الضباط الأمنيين اللبنانيين بشأن ملف السلاح داخل المخيمات. ووفقًا لتلك المصادر، فإن عباس الابن يسعى لحل القضية الفلسطينية في لبنان بشكل “رزمة واحدة”، تشمل السلاح وحقوق اللاجئين المدنية، بهدف تخفيف التوتر بين المخيمات والدولة اللبنانية. كما نقلت المصادر عن ياسر عباس تلقيه وعودًا من المسؤولين اللبنانيين بالموافقة على هذه “الرزمة الكاملة”.
لكن، وبالرغم من هذا التنسيق مع الجانب اللبناني، فإن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حذرت من مغبة تكرار سيناريو نزع السلاح الذي شهدته لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، والذي أعقبه وقوع مجازر أبرزها مجزرة صبرا وشاتيلا. عبدالله دندن، مسؤول العلاقات السياسية في الجبهة الشعبية، قال: “نحن ضيوف هنا، ولكن لن نرمي سلاحنا من دون حماية فعلية”. وأكد دندن أن ملف السلاح غير مطروح رسميًا في أجندة زيارة عباس، محذرًا من التسرع في اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى تكرار ما حدث في الماضي.
موقف “فتح”: دعوة لتنظيم وليس نزع السلاح
في المقابل، أظهرت قيادة “فتح” لهجة أكثر دبلوماسية تجاه مسألة السلاح، حيث أكد نائب أمين سر الحركة في لبنان، سرحان سرحان، أن زيارة عباس “ليست فقط للبحث في السلاح”. سرحان دعا إلى الحوار وتنظيم وضبط السلاح الفلسطيني، مشددًا على أن أسلحة “فتح” “منضبطة ومخزنة بأمان”. كما دعا إلى التركيز على قضايا أكثر إلحاحًا مثل تمويل الأونروا ومكافحة “الإرهاب داخل المخيمات”.
الفصائل المقاومة: سلاحنا للدفاع عن النفس
في الوقت الذي تلتزم فيه حركتا “حماس” و”الجهاد الإسلامي” الصمت الرسمي، أكّد مقربون من قيادات الفصيلين رفضهم لأي خطوة لنزع السلاح خارج إطار توافق وطني جامع. وأشاروا إلى أن الدعوات لنزع السلاح تهدف بالدرجة الأولى إلى تقويض الوجود المقاوم في المنطقة. كما اعتبروا أن هذه الدعوات تُستثمر في السياق الإقليمي لضغط على حزب الله، وإعادة رسم التوازنات في المنطقة.
الناشط الفلسطيني محمد حسون شدد على أن الفلسطينيين في لبنان ليسوا مجرد “قنبلة موقوتة”، بل هم ضحايا تهميش ممنهج وحرمان من الحقوق. وقال حسون إن الحديث عن سلاحهم بمعزل عن سياقهم السياسي والمعيشي هو “اختزال مخل للقضية الفلسطينية”.
حذر لبناني وتنسيق أمني عالي المستوى
ترافق هذه التطورات مع استنفار أمني ورسمي في لبنان، حيث عُقد اجتماع لمجلس الدفاع الأعلى برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، لبحث تداعيات استخدام المخيمات كمنصات إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، بعد ما نُسب إلى “حماس” من هجمات عبر الجنوب.
وشهد الاجتماع تبايناً في الرؤى: رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجيّ أيدا تسريع خطوات نزع السلاح، معتبرين أن “الظرف العربي والدولي مناسب لذلك”. في المقابل، دعا عون ومعه قادة الأجهزة الأمنية إلى “التريث” وعدم المجازفة بصدام داخل المخيمات، وطرح ضرورة انتظار ما سيحمله عباس من اقتراحات قبل أي إجراء ميداني.
هل يحمل عباس “خطة إنقاذية” أم أن الخلافات ستعمّق الانقسام؟
مصادر لبنانية مطلعة أكدت أن زيارة عباس لا يمكن أن تكون كسابقاتها، فالمعادلات الإقليمية تغيرت، وحزب الله لم يعد المتحكم الوحيد بإيقاع الصراع، ولبنان الرسمي يبحث عن تخفيف أعباء المخيمات لا تعزيزها.
لكن نجاح الزيارة يبقى مشروطًا بقدرة عباس على تقديم خطة تطبيقية واقعية لجمع السلاح وتوحيد الموقف الفلسطيني. كما أن نجاحها سيتطلب توافقًا سياسيًا داخليًا لبنانيًا لا يبدو متوفراً بالكامل حتى اللحظة، في ظل خشية الأطراف من أن يتحول المخيم إلى بؤرة صراع إضافية.
زمن الملفات المؤجلة انتهى
بين الغضب الشعبي في عين الحلوة، والانقسام الفلسطيني، والتريث اللبناني، تترنح زيارة محمود عباس بين فرصة لإعادة ترتيب أوراق الوجود الفلسطيني في لبنان، وبين احتمال تعميق الانقسام إن لم يأتِ عباس بخطة تحظى بتوافق داخلي فلسطيني أولاً، ودعم لبناني ثانياً.
وفي ظل اشتعال الإقليم من غزة إلى الجنوب اللبناني، بات من الواضح أن زمن الملفات المؤجلة قد انتهى، وأن إعادة تنظيم السلاح في المخيمات لم تعد خيارًا، بل ضرورة أمنية ووطنية ملحّة لكلا الطرفين.
