الجاليات العربية في المملكة المتحدة.. بين الإنجاز والتأثير المحدود في معادلة السياسة البريطانية
أحمد المصري

تشكل الجاليات العربية في بريطانيا طيفًا غنيًا من التنوع الثقافي والديني والوطني، حيث قدم أبناؤها من بلدان مختلفة لأسباب سياسية أو اقتصادية أو تعليمية، واستقروا في مدن كبرى مثل لندن ومانشستر وبرمنغهام وكارديف. هذا التعدد يجعل الجالية العربية من بين أكثر الجاليات تنوعًا في المملكة المتحدة، لكنه في الوقت نفسه يعكس التحديات البنيوية التي تواجهها في سبيل تكوين هوية جماعية واضحة أو تحقيق تمثيل سياسي مؤثر.
العرب في بريطانيا ليسوا جماعة متجانسة، بل هم مزيج من الجنسيات والخلفيات الاجتماعية، من المصريين والسوريين إلى العراقيين واللبنانيين والمغاربة والفلسطينيين، وهو ما يجعل من الصعب الحديث عن “لوبي عربي” موحد. إذ لا توجد حتى الآن جهة جامعة أو منصة سياسية قادرة على تمثيلهم جميعًا بصوت واحد، رغم وجود مبادرات فردية ومؤسسية متناثرة هنا وهناك. هذا التشظي يقابله حضور اجتماعي واقتصادي متزايد، إذ نجح العديد من أفراد الجالية في تأسيس أعمال تجارية ومشاريع ثقافية ومجتمعية تُظهر الوجه الإيجابي للعرب في المجتمع البريطاني، كما أن حضور الطلاب العرب في الجامعات البريطانية يعكس مساهمة فكرية وأكاديمية محترمة.
رغم هذه النجاحات، تبقى المشاركة السياسية للجالية العربية محدودة. فالتأثير السياسي لا يرتبط فقط بالنجاح الفردي، بل يرتكز على قوة الحضور المنظم في العمليات الانتخابية والحزبية، وهو ما لا يتوفر حتى الآن لدى العرب في بريطانيا. من الناحية العددية، لا تمثل الجالية العربية أكثر من 1% من إجمالي السكان، وهي نسبة لا تمكّنها من التأثير في نتائج الانتخابات العامة أو حتى المحلية، خاصة إذا ما قورنت بجاليات أخرى أكثر عددًا وتنظيمًا، مثل الجالية الهندية أو الباكستانية، التي استطاعت أن تُنتج تمثيلاً برلمانيًا فاعلًا ونشطًا.
من المهم التذكير بأن الحديث عن “لوبي عربي ضاغط” في بريطانيا هو أقرب إلى الطموح غير الواقعي منه إلى الواقع السياسي الفعلي. فالنظام الانتخابي البريطاني القائم على الدوائر الفردية يجعل من تأثير الجاليات مرهوناً بعدد الناخبين داخل كل دائرة، وليس بمجرد الوجود الرمزي أو الثقافي. وبالنظر إلى العدد المحدود للعرب، يصبح من الصعب – بل المستحيل أحياناً – أن يُحدثوا فرقاً انتخابياً ملموساً.
في المقابل، فإن جاليات أخرى، تمتلك كتلاً تصويتية مؤثرة، مثل جالية جنوب آسيا، تمكّنت من التأثير في سياسات الأحزاب الكبرى، بسبب حجمها العددي والتنظيمي، وليس فقط بفعل خطابها الإعلامي أو التاريخي.
وفي سياق التمثيل، يُلاحظ أن من يُقدَّمون إعلاميًا أو في بعض المناسبات العامة كممثلين عن الجاليات العربية لا يُنتخبون غالبًا من قبل أفراد الجالية أنفسهم، بل تفرضهم طبيعة العلاقات الشخصية أو المؤسساتية، أو تُمنح لهم مواقع رمزية لا ترتكز إلى شرعية جماعية. هذا الغياب للتمثيل المنتخب يتسبب في تضارب الأجندات وتعدد الخطابات، إذ يتبنى كل طرف أولويات تختلف أحيانًا جذريًا عن الأخرى، ما يضعف الموقف العربي الموحد ويحول دون بلورة رؤية استراتيجية يمكن البناء عليها في العلاقة مع المؤسسات البريطانية أو الأحزاب السياسية. والنتيجة هي مشهد مشتّت، تتراجع فيه القدرة على التأثير الحقيقي لصالح الحضور الرمزي أو المناسباتي.
إضافة إلى ذلك، تواجه الجالية تحديات داخلية لا تقل أهمية، تتجلى في التباين الثقافي والذهني بين الأجيال المختلفة. فبينما يتمسك الجيل الأول من المهاجرين بعاداته وتقاليده الأصيلة، ينخرط الجيل الثاني والثالث من المولودين في بريطانيا في مسارات التكيّف مع المجتمع البريطاني، مما يخلق حالة من التوتر الاجتماعي داخل الأسر، ويضعف أحيانًا الشعور بالانتماء المشترك. كما أن ظاهرة الصور النمطية والتمييز التي تتعرض لها الجالية في الإعلام أو من بعض المؤسسات تزيد من تعقيد هذا الواقع وتحد من فرص المشاركة والانخراط الكامل.
ورغم محدودية التأثير السياسي، فإن هناك فرصًا واعدة لتعزيز الحضور العربي في المجال العام البريطاني، لا سيما من خلال الاستثمار في الوعي السياسي لدى الجيل الجديد، وتوسيع مشاركة العرب في العمل المدني والحزبي، وبناء تحالفات استراتيجية مع جماعات أخرى في قضايا حقوقية أو اجتماعية مشتركة. كما يمكن لمؤسسات المجتمع المدني والمراكز الثقافية أن تلعب دورًا مهمًا في صياغة خطاب موحد يعبر عن هموم الجالية وتطلعاتها، بعيدًا عن التشرذم والخطابات العاطفية التي لا تُترجم إلى نفوذ فعلي.
في المحصلة، يبقى العرب في بريطانيا جزءًا حيويًا من النسيج المجتمعي العام، لكن الحديث عنهم كقوة انتخابية ضاغطة أو كمجموعة ضغط مؤثرة يجب أن يخضع لميزان الواقعية السياسية، لا للتوقعات الرغبوية. فضعف التمثيل العددي، وتشتت الهوية السياسية، وغياب القيادة المنتخبة، كلها عوامل تجعل من تأثير الجالية العربية محدودًا في الوقت الراهن. ومع ذلك، فإن الفرصة ما تزال قائمة لبناء حضور أقوى، شرط الاعتراف بالتحديات والعمل على تجاوزها برؤية جماعية واضحة واستراتيجية طويلة المدى.