السلايدر الرئيسيتحقيقات

أين أخفت إيران اليورانيوم المخصب بعد “مطرقة منتصف الليل”؟

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ عد الضربة الجوية الأمريكية الثلاثية التي استهدفت منشآت تخصيب اليورانيوم في إيران ضمن عملية عسكرية أُطلق عليها اسم “مطرقة منتصف الليل”، بات مصير أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% مجهولاً، وسط تساؤلات متصاعدة حول كيفية ووجهة نقله، في ظل اختفائه عن أعين أجهزة الاستخبارات والمراقبة الغربية.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن عقب الضربة أن العملية قد “دمرت تماماً البرنامج النووي الإيراني”، إلا أن تقارير استخباراتية وتقديرات غير رسمية شككت في ذلك، مرجحة أن تأثير الهجوم اقتصر على تأخير البرنامج النووي الإيراني لبضعة أشهر فقط، دون أن يمس جوهر قدرته أو بنيته التحتية.

الجدل حول مصير اليورانيوم المخصب

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عبّر عن شكوكه في قدرة إيران على نقل هذه الكمية الكبيرة من اليورانيوم قبل تنفيذ الضربات، خاصة أن التقديرات تشير إلى أن المخزون وصل إلى حوالي 408 كيلوغرامات. وأضاف أن معلومات استخباراتية تشير إلى احتمال دفن كميات كبيرة من هذا اليورانيوم تحت الأرض، وتحديدًا في منشأة أصفهان التي تعد واحدة من الركائز الرئيسة للبرنامج النووي الإيراني.

في المقابل، رفضت طهران هذه المزاعم، واعتبرت أن الحديث عن بقاء المواد في المواقع المستهدفة “سذاجة أمنية”، مؤكدة أن “المواد المخصبة لم تُمسّ”، ما يعزز الانطباع بأن عملية نقلها كانت محسوبة مسبقًا وجرت بنجاح قبل الضربة الجوية.

نقل محكم واستعداد مسبق

صحيفة نيويورك تايمز، نقلاً عن مصادر استخباراتية غربية، أكدت أن إيران شرعت في نقل المواد المخصبة ومعدات الطرد المركزي من منشآتها النووية قبل أيام من الضربة، مدفوعة بارتفاع وتيرة التهديدات العسكرية الأمريكية واستمرار الضربات الإسرائيلية.

ويُذكر أن صوراً التقطتها الأقمار الصناعية قبل يومين من الهجوم أظهرت تحركات لافتة في منشأة “فوردو”، تمثلت في قوافل من الشاحنات والجرافات، وهو ما فُسّر على أنه استعداد لنقل المواد إلى موقع سري أكثر أمانًا.

في الوقت الحالي، لا تملك الولايات المتحدة وحلفاؤها معلومات دقيقة عن الموقع الجديد الذي أُعيد فيه إيواء اليورانيوم المخصب. وتشير تقديرات فنية إلى أن كمية 400 كيلوغرام يمكن تخزينها في نحو 40 أسطوانة فولاذية تحتوي كل واحدة على 10 كيلوغرامات من غاز “سادس فلوريد اليورانيوم”، وهو الشكل الذي يُخزّن فيه عادة اليورانيوم المخصب.

إمكانات النقل والتخزين السرية

تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أظهرت في السنوات الأخيرة أن إيران طوّرت خبرة لوجستية وتقنية في نقل المواد النووية بسرية عالية، باستخدام شبكة معقدة من الأنفاق العميقة والمخارج المتعددة، وهي أنفاق يصعب على الأقمار الصناعية اكتشافها، وتكاد تكون مراقبتها عبر المصادر البشرية مستحيلة.

من المحتمل أن يكون اليورانيوم قد نُقل إلى مواقع محصّنة تحت الأرض تتبع الحرس الثوري الإيراني، مثل صوامع الصواريخ أو مراكز القيادة العسكرية. كما يُحتمل أن يكون قد أُعيد تخزينه في قواعد تقع بالقرب من الخليج، مثل بندر عباس، أو في المناطق الجبلية الوعرة مثل جبال زاغروس، التي توفر تضاريس طبيعية مثالية للإخفاء.

الخيارات المفتوحة أمام إيران

تشير مصادر استخباراتية أمريكية إلى أن إيران ربما لجأت إلى توزيع أجهزة الطرد المركزي في ورش صناعية صغيرة أو مستودعات متناثرة، بما يتيح إعادة تشغيل التخصيب عند الحاجة، في خطوة تشبه استراتيجية “التحلل النووي” التي تشتت البرنامج النووي في مواقع غير تقليدية.

كما ذكرت تقارير أن مركز البحث والتطوير في أصفهان يحتوي على شبكة أنفاق عميقة، يُعتقد أنها قد استُخدمت سابقاً لتخزين أو نقل مواد نووية، وربما كانت أحد الخيارات في هذه العملية.

البُعد السياسي والرهانات المستقبلية

فاينانشال تايمز لفتت إلى أن مستقبل البرنامج النووي الإيراني لا يُحدَّد فقط من خلال الضربات العسكرية أو الأدوات الاستخباراتية، بل يتوقف بشكل كبير على القرارات السياسية. ووفقًا لمصدر إسرائيلي، فإن عودة محتملة إلى طاولة المفاوضات بين طهران وواشنطن قد تُعيد طرح مطلب نزع جميع كميات اليورانيوم عالي التخصيب من الأراضي الإيرانية كشرط أساس لاستئناف الاتفاق النووي.

لكن على ما يبدو، لا تزال إيران تحتفظ بجوهر برنامجها النووي، حتى بعد الضربات. فقد صرّح علي شمخاني، المستشار الأمني للمرشد الأعلى، قائلاً: “حتى لو دُمّرت المنشآت النووية، فإن اللعبة لم تنته بعد. المواد المخصبة والمعرفة الوطنية والإرادة السياسية ما زالت قائمة.”

الضربة الأمريكية وإن كانت مؤلمة، إلا أنها لم تنجح في نزع الورقة النووية من يد طهران. بل على العكس، قد تكون دفعت إيران إلى تعميق استراتيجية الإخفاء والتشتيت، وجعل أي عملية عسكرية مستقبلية أكثر تعقيدًا، وأي تفاوض أكثر تكلفة. واليوم، تبقى الإجابة عن سؤال: “أين أخفت إيران اليورانيوم المخصب؟” من أسرار الأمن القومي الإيراني، وربما من مفاتيح الصراع النووي في الشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى