جدل في مصر حول “عقوبة شائعات جودة مياه الشرب”.. والنواب يقر المادة 73 ونصف مليون جنيه غرامة
من سعيد هنداوي

القاهرة ـ يورابيا ـ من سعيد هنداوي ـ شهد مجلس النواب المصري، برئاسة المستشار الدكتور حنفي جبالي، نقاشاً حاداً خلال الجلسة العامة حول المادة 73 من مشروع قانون تنظيم مرفق مياه الشرب والصرف الصحي، التي تنص على تغليظ العقوبات على من يروّج شائعات أو معلومات غير صحيحة عن جودة المياه.
ورغم مطالبات نيابية بحذف المادة لما تمثله من خطر على حرية الصحافة والتعبير، تمسك البرلمان والحكومة ببقائها، في إطار ما اعتبروه “حماية للأمن والسلم الاجتماعي”.
مادة جدلية: غرامات تصل إلى نصف مليون جنيه
تنص المادة 73 من مشروع القانون على التالي:“يعاقب بغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه، ولا تزيد على 500 ألف جنيه، كل من قام بترويج شائعات، أو معلومات غير صحيحة بأية وسيلة كانت عن جودة المياه، بقصد تكدير السلم والأمن الاجتماعي لدى المواطنين بشأن حالة المياه وجودتها.”
معارضة نيابية: حرية الصحافة في خطر
النائب أحمد بلال البرلسي عبّر عن اعتراضه على المادة، وتقدّم بمقترح لحذفها، مؤكدًا أنها قد تتعارض مع مبادئ حرية التعبير والصحافة.
وقال خلال مداخلته:”هل إذا نشر مواطن أن المياه غير نظيفة سيُعاقب؟ وإذا أعد صحفي تحقيقاً عن أزمة في جودة المياه بمنطقة معينة، هل سيتهم بتكدير السلم الاجتماعي؟”
ووصف البرلسي النص بأنه “تقييد لحرية الرأي والعمل الصحفي”، داعياً إلى إعادة النظر فيه بما يضمن الشفافية وحق المواطن في الوصول إلى المعلومة.
موقف حكومي حازم: حماية المجتمع أولاً
في المقابل، رفضت الحكومة المقترح، مؤكدة أن المادة تستهدف الحد من الترويج المتعمد للشائعات التي قد تثير البلبلة أو الذعر العام.
وأكد المستشار محمود فوزي، وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، أن القانون لا يستهدف الصحافة أو النقد البناء، بل القلة التي تنشر معلومات كاذبة بنية تضليل المواطنين.
وقال الوزير:”هناك حالات محدودة قد تروّج معلومات غير دقيقة، تؤثر سلباً على المجتمع، ويجب مواجهتها بأدوات قانونية. النشر في مثل هذه القضايا يجب أن يتم بحذر، ولا بد أن نميز بين النقد المهني وبين التحريض أو تكدير السلم العام”.
السلطة القضائية: الفيصل في التطبيق
أكد المستشار حنفي جبالي، رئيس مجلس النواب، أن المادة صيغت بتوازن، وتحتوي على ضمانة قانونية واضحة، موضحاً أن العقوبة لا تُطبق إلا إذا ثبت القصد الجنائي وتوفرت أركان الجريمة، بما فيها الركن المادي (نشر معلومات غير صحيحة) والمعنوي (نية الإضرار بالسلم الاجتماعي).
وأضاف:”القاضي هو الذي يفصل في ما إذا كانت هناك شائعة أو كذب متعمد، ولا يُعاقب أحد دون توافر الدليل القاطع على النية والمعلومة الكاذبة.”
بين حرية التعبير ومكافحة التضليل
يعكس الجدل النيابي الدائر حول المادة 73 الخط الرفيع الذي تسير عليه التشريعات المصرية بين حماية الأمن العام وحرية الصحافة.
فبينما ترى الحكومة أن التشريع ضروري لمكافحة التضليل المتعمد، تخشى أطراف من المعارضة أن يكون باباً لتقييد النقد، والتضييق على الصحفيين والباحثين الذين يعملون على كشف أزمات البنية التحتية أو تردي الخدمات.
مشروع القانون الجديد لتنظيم مرفق مياه الشرب والصرف الصحي يُعيد فتح النقاش حول حدود حرية الرأي في مصر، وسط مخاوف من أن تتحول نصوص القانون إلى أداة لمحاكمة النوايا، في وقتٍ تُعد فيه الشفافية والمساءلة من ركائز أي نظام ديمقراطي حديث.