30 نمطًا من الأذى … تحقيق مستقل يكشف عن “عنصرية منهجية” ضد السود والاقليات منذ عقود في صفوف شرطة لندن
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن مراجعة داخلية غير مسبوقة خلصت إلى أن الضرر العنصري الذي تلحقه شرطة العاصمة البريطانية (Metropolitan Police) بالمجتمعات السوداء أصبح “مدعومًا مؤسسيًا”، نتيجة ثقافة وقيادة داخل الجهاز الأمني تعملان على منع أي تغيير حقيقي.
وأضافت الصحيفة أن التقرير، الذي أعدّته الدكتورة شيرين دانيلز ونُشر يوم الجمعة، هو أول مراجعة من نوعها تركز على العنصرية داخل المؤسسة ككل وليس على حادثة أو فضيحة فردية. وقد استند إلى وثائق رسمية وشهادات داخلية من ضباط، وعائلات ضحايا، وناشطين، ومبلغين عن المخالفات.
“الضرر العنصري ليس صدفة… بل نتيجة تصميم مؤسسي”
وبحسب ما أوردته الغارديان، فإن التقرير، الذي حمل عنوان « 30 نمطًا من الأذى»، توصل إلى أن العنصرية ضد السود متأصلة في هيكل المؤسسة الأمنية البريطانية، وليست سلوكًا عرضيًا أو فرديًا.
وجاء في التقرير:”النتائج المناهضة للسود في عمل الشرطة ليست عشوائية، بل هي متجذّرة في النظام ذاته. وقد أُشير إليها مرارًا وتكرارًا من قِبل العائلات المكلومة، وضباط الصف الأماميين، والنقابات، والناشطين، والتحقيقات الرسمية على مدى عقود”.
وأضافت دانيلز أن تصميم القوة وطبيعة أنظمتها الداخلية “جعلا من المحتم أن يتكرر الضرر العنصري باستمرار”، مشيرة إلى أن المؤسسة لا تنتظر المخالفات لتتحرك، بل تتصرف انطلاقًا من الشك المسبق تجاه السود.
التوقيف والتفتيش… نقطة الاشتعال الدائمة
وأوضحت المراجعة أن عمليات التوقيف والتفتيش (Stop and Search) تمثل بؤرة التمييز الأخطر في سلوك شرطة العاصمة.
وقالت الصحيفة إن التقرير وجد أن الشرطة تستخدم القوة والأساليب القسرية ضد السود بمعدلات تفوق بكثير استخدامها ضد البيض، وأن الشك هو نقطة البداية وليس الاستثناء.
ونقلت الغارديان عن التقرير قوله:”التوقيف والتفتيش حوّل الشوارع إلى نقاط تفتيش عرقية. فشرطة العاصمة لا تنتظر الجريمة، بل تنتظر التبرير.”
وأضاف أن المؤسسة تتعامل مع “السود كسبب محتمل بحد ذاتهم”، ما يؤدي إلى تأجيج انعدام الثقة بين المجتمعات المحلية والشرطة.
ثقافة مقاومة التغيير
وقالت دانيلز في تصريحات لـالغارديان إن تقريرها يتناول المؤسسة نفسها لا سلوك الأفراد، مشيرة إلى أن أنظمة شرطة العاصمة، وحوكمتها، وقيادتها، وثقافتها الداخلية تنتج ضررًا عنصريًا ممنهجًا، وتحمي نفسها في الوقت ذاته من الإصلاح.
وأضافت:”هذا ليس سردًا لحوادث فردية، بل تشخيص للهياكل التي تجعل الضرر العنصري نمطًا متكررًا ومستمرًا.”
وأكدت دانيلز أن شرطة العاصمة تمتلك ما وصفته بـ”مخزون متقدم لتجنّب التغيير”، معتبرة أن الجهاز الأمني يتقن الدفاع المؤسسي عن ذاته كلما كُشف خلل داخلي.
تاريخ طويل من الإخفاقات
وذكّرت الغارديان بأن تقرير دانيلز يأتي بعد عامين من تحقيق لويز كيسي الذي اتهم شرطة العاصمة بأنها “عنصرية مؤسسيًا”، وهي النتيجة التي رفضت مفوضة الشرطة قبولها رسميًا رغم اعترافها بوجود إخفاقات نظامية.
كما أشارت الصحيفة إلى أن هذا التقرير الجديد ينضم إلى سلسلة طويلة من المراجعات التي فشلت في إحداث إصلاح جذري داخل الشرطة البريطانية، منذ تقرير ماكفيرسون عام 1999 الذي كشف العنصرية المؤسسية في التحقيق بجريمة قتل الشاب الأسود ستيفن لورانس.
جدل حول مصطلح “العنصرية المؤسسية”
وانتقدت دانيلز في تقريرها مفوض شرطة العاصمة، السير مارك رولي، لرفضه استخدام مصطلح “العنصرية المؤسسية”، واعتباره “تعبيرًا سياسيًا غامضًا”.
وقال التقرير في هذا السياق:”بهذه الطريقة، يتم تأطير الوضوح باعتباره سياسيًا، ويتم التنازل عن القدرة على تسمية الضرر لصالح راحة المؤسسة.”
وأضافت دانيلز:”يُظهر هذا العمل بأكمله كيف تعمل العنصرية المؤسسية فعليًا، وكيف تُدمج في الأنظمة والسلوكيات ومعايير القيادة التي تكرّس التمييز وتحمي المؤسسة من العواقب.”
وختمت بالقول:
“السؤال لم يعد ما إذا كانت الشرطة قادرة على قول الكلمات الصحيحة، بل ما إذا كانت قادرة على تغيير الظروف الثقافية والتنظيمية التي تُجسّد هذه الكلمات.”
فضيحة “تشيرينغ كروس”… ليست حالة فردية
وأشارت الغارديان إلى أن تقرير دانيلز تزامن مع الكشف عن فضيحة عنصرية وكراهية للنساء في مركز شرطة “تشيرينغ كروس”، بعد تحقيق سري أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وأدى إلى فصل عدد من الضباط.
لكن دانيلز أكدت للصحيفة أن هذه الفضيحة ليست حادثة معزولة، بل “نتاج مباشر لثقافة مؤسسية متجذرة داخل متروبوليتان”، مضيفة:”تشيرينغ كروس ليست استثناءً، بل انعكاس لطريقة تصميم شرطة العاصمة نفسها.”
المؤسسة تحمي نفسها من الإصلاح
وختمت الغارديان تقريرها بالقول إن مراجعة دانيلز تكشف للمرة الأولى أن المشكلة ليست في سلوك أفراد الشرطة فحسب، بل في النظام ذاته، من أسلوب القيادة إلى هيكل الحوكمة.
وأضافت أن شرطة العاصمة تواصل الاعتراف بالضرر دون اتخاذ خطوات جذرية لمعالجته، ما يجعل الأذى العنصري ضد السود “أمرًا لا مفرّ منه” داخل المؤسسة الأمنية الأكبر في المملكة المتحدة.