السلايدر الرئيسيصحف

وول ستريت جورنال: تنظيم داعش يعيد بناء نفسه عبر “الاقتصاد الخفي” والابتزاز في سوريا مستغلاً الانسحاب الأمريكي وانهيار النظام

من سعيد إدلبي

دمشق ـ يورابيا ـ من سعيد إدلبي ـ قالت صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير استقصائي موسّع من شمال شرق سوريا إن تنظيم الدولة الإسلامية بدأ يستعيد نشاطه بشكل متسارع، مستغلاً الانسحاب الأمريكي وتفكك مؤسسات النظام السوري في أعقاب سقوط دمشق، في مشهد يعيد إلى الأذهان بدايات تمدد التنظيم قبل أكثر من عقد.

وأضافت الصحيفة أن الميدان السوري، ولا سيما في محافظة دير الزور، يشهد تصاعدًا مقلقًا في وتيرة الهجمات المسلحة التي يشنّها مسلحو التنظيم ضد القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة، والمعروفة باسم قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

كمين في وضح النهار

ووفقًا لتقرير الصحيفة، كان جنديان من قوات قسد يستقلان شاحنة صغيرة على طريقٍ تجاري في مدينة هجين، عندما فتح مسلحون على دراجات نارية النار عليهما ببنادق “كلاشينكوف”، مما أدى إلى مقتلهما على الفور.
ونقلت الصحيفة عن أحد أصحاب المتاجر القريبة قوله إن هذا هو أول هجوم من نوعه في تلك المنطقة منذ سنوات، مضيفًا بقلق: “جميعنا خائفون… لقد عادوا إلى مدينتنا.”

انهيار النفوذ وتراجع الحلفاء

وأوضحت وول ستريت جورنال أن هذا الهجوم ليس حادثًا معزولًا، بل هو مؤشر على عودة التمرد المسلح في منطقة كانت تُعتبر حتى وقت قريب من أكثر المناطق استقرارًا في سوريا بعد هزيمة “داعش”.
وأضاف التقرير أن قوات سوريا الديمقراطية، التي شكّلت رأس الحربة في الحرب ضد التنظيم بدعم مباشر من التحالف الدولي، باتت تواجه صعوبة في احتواء التهديدات الجديدة مع انسحاب القوات الأمريكية من قواعدها في شرق البلاد.

وأشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة سحبت منذ أبريل/نيسان الماضي نحو 500 جندي من أصل 2000، وأغلقت عدة قواعد في دير الزور والحسكة، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها “إعادة تموضع” بعد نجاح المهمة. إلا أن قادة ميدانيين أكراد حذروا من أن هذا الانسحاب يترك فراغًا أمنيًا يغري داعش بالعودة.

القائد الميداني البارز في قوات سوريا الديمقراطية، غوران تل تمر، قال في تصريح للصحيفة:
“انسحاب الأمريكيين يُلهم داعش. نراهم يشنون المزيد من الهجمات علينا. الناس في القرى يشعرون أن الدولة تبتعد عنهم.”

عودة التنظيم بهيكل جديد

وأوضحت الصحيفة أن تنظيم الدولة الإسلامية، الذي خسر خلافته المزعومة عام 2019، أعاد هيكلة نفسه بشكل لامركزي، حيث يعمل اليوم من خلال خلايا صغيرة تضم أربعة إلى خمسة عناصر فقط، دون قيادة مركزية واضحة.
وقال سيمند علي، المتحدث باسم وحدات حماية الشعب، وهي المكوّن الرئيس في قسد، إن التنظيم يعتمد تكتيكات جديدة “رخيصة وفعالة”، منها الكمائن المتنقلة والعبوات الناسفة اليدوية، مستفيدًا من دعم لوجستي محلي داخل بلدات ذات أغلبية سنية مثل هجين وديبان.

وأضافت وول ستريت جورنال أن التنظيم لم يعد يعتمد على السيطرة الميدانية أو رفع راياته السوداء، بل على “الاقتصاد الخفي” والابتزاز، مستعيدًا نمط الجباية والتهديد الذي استخدمه قبل عقد من الزمن.

اقتصاد الظل وابتزاز التجار

في بلدة ديبان، على بعد 30 ميلًا شمال دير الزور، التقت الصحيفة بتاجر نفط محلي يُدعى محمد البو حردان، قال إن مسلحين من داعش اتصلوا به وطالبوه بدفع “الزكاة” بقيمة ألف دولار. وبعد أسابيع، عادوا لمطالبته بمبلغ مماثل، مهددين بإحراق مصفاتِه إن لم يدفع.
يقول الرجل: “كانوا يراقبون كل تحركاتي. يعرفون مكان عملي وأسماء موظفيّ. عندما رفضت، أطلقوا النار على المصفاة وقتلوا أحد عمالي.”

وأكد فرهاد الشامي، المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية، للصحيفة أن قواته وثّقت عشرات الحالات المماثلة من الابتزاز المالي الذي ينفذه عناصر التنظيم في القرى النائية. وأضاف أن بعض السكان يدفعون صمتًا “خوفًا من الانتقام في ظل غياب الدولة والشرطة”.

إحصاءات مقلقة وتصعيد متزايد

وبحسب بيانات حصلت عليها وول ستريت جورنال من قيادة قوات سوريا الديمقراطية، نفّذ داعش 117 هجومًا في شمال شرق سوريا حتى نهاية أغسطس، مقارنة بـ73 هجومًا خلال عام 2024 بأكمله، في ارتفاع هو الأكبر منذ طرده من آخر معاقله في الباغوز عام 2019.
وفي مايو وحده، استُهدفت دوريات قسد عشرين مرة، ما أسفر عن مقتل عشرة جنود وإصابة 15 آخرين. وقال قادة ميدانيون إن “مايو كان الشهر الأكثر دموية منذ نهاية المعارك الكبرى”.

تحالفات هشة وصراعات متعددة

أشارت الصحيفة إلى أن قوات قسد باتت تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا من جبهات أخرى؛ إذ تخوض اشتباكات متقطعة مع ميليشيات مدعومة من تركيا، وأخرى مرتبطة بالحكومة السورية الجديدة، رغم اتفاقٍ مبدئي تم توقيعه في مارس الماضي لدمج القوات الكردية في الجيش السوري.
إلا أن هذا الاتفاق تآكل سريعًا، بحسب التقرير، مع تصاعد انعدام الثقة بين الطرفين، ما أتاح لداعش مساحة جديدة للتحرك.

وقال تل تمر للصحيفة: “المنطقة واسعة جدًا، وحكومة دمشق عاجزة عن السيطرة عليها. داعش يستغل كل فراغ وكل تأخر في التنسيق.”

مستقبل غامض وقلق متزايد

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين أن واشنطن لا تنوي التخلي الكامل عن دعمها لقسد، لكنها تقلّص وجودها المباشر وتكتفي بتقديم الدعم الاستخباراتي والضربات الجوية المحدودة.
غير أن القادة المحليين في دير الزور يشعرون بأن الغطاء الأمريكي يتلاشى تدريجيًا. وأثناء جولة ميدانية مع قافلة لقسد في محيط الهجين، رصد مراسل الصحيفة قواعد أمريكية مهجورة وسط الصحراء، تآكلت حواجزها وباتت فارغة تمامًا.

يقول تل تمر وهو يشير إلى إحدى القواعد القديمة: “كان الأمريكيون يقومون بدوريات يومية هنا. مجرد رؤيتهم كانت تبعث الطمأنينة في قلوب الناس… الآن رحلوا، فعاد الخوف.”

ورأت وول ستريت جورنال في ختام تقريرها أن عودة نشاط داعش لا تعني بالضرورة استعادة “الخلافة”، لكنها تُنذر بمرحلة جديدة من الفوضى قد تمتد من سوريا إلى العراق، حيث ما زالت الحدود بين البلدين رخوة وضعيفة الرقابة.
وأضافت الصحيفة أن “انهيار الدولة المركزية وتعدد القوى المسلحة، إلى جانب الانسحاب الأمريكي، يخلق بيئة مثالية لنموّ التنظيم مجددًا”، مشيرة إلى أن “الشرق السوري يسير اليوم على خطٍّ رفيع بين الأمن والفوضى، تمامًا كما كان قبل عقدٍ من الزمن”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى