وزير المالية الإسرائيلي سموطريتش يصف السعوديين بـ”راكبي الجِمال” ثم يقدّم اعتذاره للمملكة بعد تصريحاته “المؤسفة”
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ في تطوّر لافت على الساحة السياسية الإسرائيلية، قدّم وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموطريتش، أحد أبرز وجوه اليمين المتطرّف في حكومة بنيامين نتنياهو، اعتذارًا رسميًا للمملكة العربية السعودية بعد موجة غضب أثارتها تصريحاته “المهينة” التي وصف فيها السعوديين بأنهم «راكبو الجِمال».
وقال سموطريتش في منشورٍ عبر منصة «إكس» مساء الخميس:«تصريحي حول السعودية كان مؤسفًا، وأعبّر عن أسفي للإهانة التي تسبب بها».
من التصعيد إلى الاعتذار
جاءت تصريحات سموطريتش المثيرة للجدل خلال مؤتمر اقتصادي في تل أبيب، حيث رفض الوزير فكرة تطبيع العلاقات مع السعودية في حال اشترطت المملكة إقامة دولة فلسطينية، قائلاً:«إذا قالت لنا السعودية إن التطبيع مقابل دولة فلسطينية، فجوابنا هو لا، شكرًا. دعوهم يواصلون ركوب الجِمال على رمال الصحراء، ونحن سنواصل التطور في الاقتصاد والمجتمع والدولة وكل الأمور العظيمة التي نعرف كيف نفعلها».
التصريح الذي حمل طابعًا استعلائيًا وعنصريًا أثار ردود فعل غاضبة داخل إسرائيل وخارجها، واضطر الوزير — بعد ساعات قليلة من الضجة — إلى التراجع وتقديم اعتذار علني في خطوة نادرة لمسؤول إسرائيلي تجاه دولة عربية.
انتقادات داخلية حادة في إسرائيل
ردود الفعل السياسية داخل إسرائيل لم تتأخر، إذ وصف زعيم المعارضة يائير لابيد كلام سموطريتش بأنه “مخزٍ ولا يمثل الشعب الإسرائيلي”، وكتب على منصة «إكس»:«إلى أصدقائنا في المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط، سموطريتش لا يمثل دولة إسرائيل».
أما وزير الدفاع السابق بيني غانتس فاعتبر أن تصريحات سموطريتش “تعكس جهلًا سياسيًا وسوء تقدير خطيرًا من وزير يشغل موقعًا حساسًا في الحكومة”، مؤكدًا أن «مثل هذه التصريحات تضر بالمصالح الاستراتيجية لإسرائيل في المنطقة».
ارتدادات دبلوماسية على مسار التطبيع
تأتي هذه الأزمة الكلامية في وقتٍ تشهد فيه المنطقة نشاطًا دبلوماسيًا متزايدًا حول احتمالات التوصل إلى اتفاق تطبيع بين إسرائيل والسعودية بوساطة أمريكية، وسط تأكيد الرياض المستمر أن أي اتفاق من هذا النوع يجب أن يسبق بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967.
ويرى محللون أن سموطريتش، المعروف بمواقفه اليمينية المتشددة، عبّر عن وجهة نظر تعكس صراعًا داخليًا في الحكومة الإسرائيلية بين تيارٍ براغماتي يسعى إلى التهدئة والانفتاح على العالم العربي، وآخر أيديولوجي يرفض أي تنازل سياسي أو رمزي للفلسطينيين أو للدول العربية.
ردود فعل سعودية وتحفّظ رسمي
رغم أن الرياض لم تُصدر حتى مساء الخميس بيانًا رسميًا بشأن الاعتذار، إلا أن مصادر دبلوماسية سعودية وصفت تصريحات الوزير الإسرائيلي السابقة بأنها «مسيئة وغير لائقة بحق المملكة وشعبها».
وأوضحت أن «المملكة تنظر إلى مثل هذه التصريحات على أنها مؤشر على ضيق أفق بعض القيادات السياسية في إسرائيل»، مضيفة أن «التطبيع ليس مكافأة مجانية بل خيار استراتيجي مشروط بتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني».
تحليل: بين الإهانة والواقعية السياسية
يرى مراقبون في تل أبيب أن اعتذار سموطريتش لم يكن نابعًا من قناعة بضرورة احترام الشركاء المحتملين في الخليج، بقدر ما هو محاولة لتقليل الخسائر السياسية التي لحقت بالحكومة بعد أن أثار تصريحه استياءً داخل أوساط دبلوماسية غربية تسعى إلى إنجاح مسار التقارب السعودي الإسرائيلي.
ويقول الخبير في الشؤون الإقليمية ألون بن دافيد إن “نتنياهو يحاول منذ أشهر إقناع السعوديين بأن التطبيع معهم سيشكل حجر الأساس لاستقرار المنطقة، لكن تصريحات وزرائه المتطرفين تُربك هذه الجهود باستمرار”.
الجِمال التي أربكت السياسة
الواقعة التي بدأت بجملة ساخرة تحوّلت إلى أزمة دبلوماسية مصغّرة بين تل أبيب والرياض، وأعادت التذكير بأن طريق التطبيع — إن وُجد — ما زال محفوفًا بالألغام السياسية والأيديولوجية.
وفي الوقت الذي يحاول فيه سموطريتش ترميم صورته، يبدو أن تصريحه سيظل شاهدًا على هشاشة الخطاب الرسمي الإسرائيلي تجاه العالم العربي، وعلى أن “ركوب الجِمال” قد يكون أهون من الوقوع في فخ الغطرسة السياسية.
يأتي هذا الاعتذار في لحظة حساسة من المفاوضات المحتملة بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية بشأن تطبيع العلاقات، حيث تُعدّ السعودية، وفق تصريحاتها الرسمية، أن أي تطبيع يجب أن يُرافقه مسار لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة.
تصريحات سموطريتش كانت بمثابة عقبة محتملة أمام تلك المفاوضات، لذا كان الاعتذار خطوة احترازية لتخفيف التوتر. ورغم أن السعودية لم تصدر حتى الآن بيانًا علنيًا كبيرًا بردها على الاعتذار، فإن السلوك الدبلوماسي السعودي والردود السابقة تشير إلى أنها لن تتسامح مع تصريحات تحمل طابع الاستهانة أو الاستعلاء تجاهها.
من داخل الحكومة الإسرائيلية: سموطريتش، الذي يُمثّل التيار اليميني المتطرف، يعكس وضعًا داخليًا معقّدًا حيث التوازنات في حكومة بنيامين نتنياهو حسّاسة، ولا تُسهّل خطوات تطبيعية دون تجاوب من جميع الأطراف.
العلاقة مع السعودية: إن التطبيع مع السعودية يُعدّ من أهم الملفات الاستراتيجية لإسرائيل، وله أبعاد أمنية وتجارية كبيرة. التصريحات التي تقلّل من شأن السعودية قد تؤدّي إلى تأخيرات أو حتى تجميد العملية.
الرسالة إلى الداخل السعودي والعربي: السعودية تريّد أن يُخاطبها الشريك المحتمل كند، لا كطرفٍ يُهارد أو يُوصَف بصورة دونية. تصريحات “ركوب الجِمال” بذلك طابع استفزازي لمكانة المملكة.
هذا الحادث يُظهر أن أي خطوة تطبيعية بين إسرائيل ودولة عربية كبرى مرفقة بحذر شديد، وأن تصريحات قادة إسرائيليين يمكن أن تُعيق العملية سريعًا.
يُتوقّع أن تلجأ رئاسة الوزراء الإسرائيلية إلى احتواء تداعيات الأمر بتأكيد أن سموطريتش يتكلّم بصفته الشخصية وليس بصفته الرسمية، وربّما يُطلب منه أيضاً توضيحاً أو مؤتمراً صحفياً لتبيان موقف الحكومة الرسمي. من جهة أخرى، السعودية، في حال قرّرت المضي قُدُماً في التطبيع، قد تشترط مزيداً من الضمانات بأن الحكومة الإسرائيلية الرسمية تلتزم بخط تفاوضي يراعي المسار الفلسطيني.