“واشنطن بوست”: فرع غامض وقوي للقاعدة يرسّخ سلطته غرب أفريقيا ويهدد بالوصول للمحيط الأطلسي
من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ فرعًا قويًا وغامضًا لتنظيم القاعدة، يُعرف باسم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، بات يُشكّل القوة المسلحة الأكثر تسليحًا في منطقة الساحل، ويهدد بنشر نفوذه المتشدد إلى ما وراء دول الصراع التقليدية ليطال مناطق مستقرة مثل غانا وساحل العاج.
هذا ما كشفته صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير موسع من غرب أفريقيا، وأشارت الصحيفة إلى أن الجماعة، التي تشكلت في عام 2017 كمظلة لتحالف عدة تنظيمات إسلامية مسلحة في مالي، باتت تسيطر فعليًا على مساحات شاسعة من الأراضي تمتد من غرب مالي إلى حدود بنين، وتُمارس فيها شكلاً من أشكال الحكم الشبه-دولتي، وفق ما أكده محللون إقليميون وغربيون.
وقالت الصحيفة إن الجماعة التي يتراوح عدد مقاتليها بين 5000 و6000 مقاتل، وسّعت عملياتها بشكل مقلق خلال الأشهر الأخيرة، ونفذت أعنف هجوم ضد قوات بنين، وسجّلت أكبر عدد من الهجمات في تاريخ توغو، في وقت تستمر فيه في تعزيز شبكاتها اللوجستية والإعلامية والدينية.
التمدد المتسارع.. والدول تنهار
ونقلت “واشنطن بوست” عن “هيني نصيبيا”، كبير المحللين في مشروع بيانات الصراعات المسلحة (ACLED)، أن الجماعة “تُشيّد فعليًا دولة ظل تمتد كحزام جغرافي من غرب مالي إلى حدود بنين، في واحد من أسرع التوسعات التي يشهدها أي تنظيم جهادي في العالم”.
ويضيف التقرير أن الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بدعوى مواجهة التمرد، قد ساهمت فعليًا في تسريع انحدار الأوضاع الأمنية. فبحسب المؤشر السنوي لمعهد الاقتصاد والسلام، باتت بوركينا فاسو الدولة الأكثر تضررًا من الإرهاب للعام الثاني على التوالي، وسجلت النيجر أعلى زيادة في الوفيات الناتجة عن الإرهاب خلال 2024.
حكم متشدد ومجتمعات منقسمة
في مقابلات أجراها مراسلو الصحيفة على الحدود بين بوركينا فاسو وغانا، يروي لاجئون كيف فُرض عليهم تطبيق متشدد للشريعة الإسلامية، وتُركوا أمام خيارين: الطاعة أو الموت. وتمثلت هذه الفرضيات في إغلاق المدارس، منع الموسيقى، فرض اللباس الشرعي على النساء، وإلزام المجتمعات بدفع “الزكاة” كمصدر تمويل.
ويقول “أمادو ديالو”، لاجئ من بوركينا فاسو، إن بناته وأزواجهن انضموا للجماعة بعدما قتلت ميليشيات حكومية عشرات من أفراد عائلته الفولانية، قائلاً: “كان البديل هو الموت… على الأقل، آمل الآن أن يكونوا في أمان”.
وتضيف الصحيفة أن العديد من سكان المناطق المتأثرة لم يكونوا متعاطفين مع الجماعة في البداية، لكن الفظائع التي ارتكبتها الميليشيات الحكومية المدعومة من الدولة – خصوصًا ضد الفولانيين – دفعت مجتمعات بأكملها إلى تأييد الجماعة المسلحة، ما عزز شرعيتها وفتح لها بوابات جديدة للتجنيد.
الفراغ الأمني الأمريكي
قالت “واشنطن بوست” إن انسحاب القوات الأمريكية من النيجر، وتقلّص وجودها في المنطقة إلى أقل من 200 جندي، ساهم في خلق فراغ أمني خطير. وأضافت أن الطائرات الأمريكية المسيّرة أُجبرت على مغادرة مواقعها الرئيسية، وفشلت خطط نقلها إلى بنين وساحل العاج.
وقالت وزارة الخارجية الأميركية للصحيفة إن الولايات المتحدة “تواصل العمل مع شركائها في غرب أفريقيا لمواجهة تهديدات الجماعات الإرهابية”، في حين رفضت “أفريكوم” (القيادة الأمريكية في أفريقيا) التعليق المباشر.
لكن مسؤولين أميركيين سابقين تحدثوا للصحيفة مؤكدين أن واشنطن فقدت أدواتها لمراقبة هذا الصعود المتسارع. وقال أحدهم: “كنا نراقب، لكن الآن لم نعد نملك الأدوات”.
تحولات سياسية وفكرية داخل التنظيم
تقول “واشنطن بوست” إن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تُظهر مرونة مذهلة في التعامل مع البيئات المحلية، وتُكيّف خطابها الديني بما يتلاءم مع التقاليد القبلية والعرقية، دون التخلي عن أيديولوجيتها السلفية المتشددة.
وتنقل الصحيفة عن باحثين ومحللين قولهم إن بعض قادة الجماعة يستلهمون من “أحمد الشرع” (القائد السوري المعروف بإعادة تموضعه كفصيل غير جهادي)، نموذجًا لتطوير الحركة وربما محاولة تصديرها بصورة أكثر “اعتدالاً” على المدى الطويل.
اقتصاد التمرد
وتؤكد الصحيفة أن الجماعة تدير شبكة معقدة من مصادر التمويل غير المشروعة، تشمل تجارة الذهب غير القانونية، وسرقة الماشية، وعمليات الخطف مقابل الفدية، وفرض الضرائب على المجتمعات المحلية. وفي مثال صارخ، تسيطر الجماعة على طرق استراتيجية للنقل التجاري، وتجبي “رسوماً” مقابل السماح بمرور الشاحنات.
خطر يهدد دول الساحل
تنقل الصحيفة عن مسؤول عسكري من ساحل العاج قوله: “في البداية كانوا يريدون فقط نشر الإسلام… الآن يبدو أنهم يسعون للوصول إلى البحر”. وأضاف مسؤول أميركي أن الجماعة ترى في ذلك “مصيرًا حتميًا” لتوسيع شبكاتها نحو المحيط الأطلسي، ما يعزز قدرتها على التهريب الدولي.
ويُعتقد أن الجماعة تستخدم حاليًا أراضي غانا، الدولة المستقرة، كممر لوجستي لتخزين الإمدادات وراحة مقاتليها بعد الهجمات. وعلى الحدود بين غانا وبوركينا فاسو، قال ضباط الهجرة إنهم يفتقرون إلى الموارد لمواجهة هذا التهديد.
أحد الضباط، غابرييل أفول، قال للصحيفة: “يعبر البوركينابيون الحدود يوميًا ويخبروننا بما يحدث هناك”. وعندما سُئل عما إذا كان قلقًا من القادم، أومأ برأسه ببساطة.