هل يتراجع النفوذ الإيراني في العراق؟

لندن ـ يورابيا ـ في أعقاب الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يومًا بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، سلّط الخبير الأميركي البارز في الشأن العراقي، مايكل نايتس، الضوء على ما وصفه بـ”الفرصة التاريخية” لتوسيع النفوذ الأميركي في العراق، مقابل تراجع واضح في قوة الميليشيات الموالية لإيران.
وأشار نايتس إلى أن تلك الفصائل التي طالما مثّلت أداة طهران في بغداد، أظهرت مؤخرًا حالة من الانقسام وضبط النفس غير المعهودة، ما يعكس تغيّرات أعمق في توازن القوى داخل البلاد.
تواجه إيران تحديات متزايدة في استخدام ملف الطاقة كوسيلة ضغط على بغداد، خاصة في ظل العقوبات الأميركية التي قيدت قدرة العراق على سداد مستحقاته مقابل الغاز والكهرباء الإيرانية. وتفاقم هذا الوضع مع موجة الحر الشديدة التي تضرب العراق، وتسببت في احتجاجات شعبية في مدن عدة بينها بغداد والنجف وواسط.
رغم حاجة العراق الملحة للطاقة (ذروة الطلب تتجاوز 45 غيغاواط مقابل إنتاج محلي لا يتعدى 27 غيغاواط)، فإن صادرات الكهرباء من إيران توقفت منذ مارس الماضي بسبب تشدد واشنطن في منح الإعفاءات. ومع ذلك، لا تزال واردات الغاز الإيراني مستمرة جزئياً، وتشكل ما يقارب 30% من إنتاج الكهرباء عند التشغيل الكامل.
رغم الضغوط الإيرانية السابقة لمنع بغداد من تنويع مصادر الطاقة، فإن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً واضحًا في السياسة العراقية. فقد وقعت الحكومة عدة اتفاقات مع السعودية، والأردن، وتركيا، ومجلس التعاون الخليجي، لتأمين مصادر بديلة للكهرباء والغاز.
وفي خطوة استراتيجية، وقعت بغداد اتفاقًا مع شركة “توتال” الفرنسية لتطوير قدراتها في استغلال الغاز المصاحب للنفط. ويأمل العراق أن يتحرر بالكامل من الاعتماد على الغاز الإيراني بحلول عام 2028، بحسب تصريحات لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني.
النفوذ الإيراني يتعمّق عبر الدولة العميقة
رغم التراجع في أدوات النفوذ التقليدية، فإن إيران لا تزال تحتفظ بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة العراقية من خلال تكتل “الإطار التنسيقي” الذي يضم الأحزاب الشيعية الموالية لطهران، والميليشيات الكبرى المنضوية تحت راية “الحشد الشعبي”.
ومن خلال هذا التكتل، تمكنت إيران من التأثير المباشر في التعيينات العليا داخل الأجهزة الأمنية والمخابراتية، بل وفي إدارة الجمارك والمنافذ الحدودية والموانئ، ما يمنحها قدرة على التحكم بمفاصل اقتصادية وسيادية حيوية.
ويحظى الحشد الشعبي – الذي تموله الدولة مباشرة – بموارد مالية متزايدة. فقد ارتفعت ميزانيته من 2.1 مليار دولار عام 2020 إلى أكثر من 3.4 مليار في 2024، مع زيادة عدد منتسبيه المسموح به من 122 ألف إلى 238 ألف فرد. هذا التمويل شبه غير الخاضع للرقابة، يثير قلقًا متصاعدًا لدى واشنطن.
عموما وبين تصاعد السخط الشعبي، وتضييق الخناق الأميركي على أدوات النفوذ الإيراني، وتوجه بغداد لتنويع شركائها، يبدو أن قبضة طهران على العراق تمر بمرحلة انكماش. لكن، ومع تشبث إيران بنفوذها داخل “الدولة العميقة”، فإن زوال هذا النفوذ تمامًا لا يزال بعيد المنال.