
وأنا أمرّ بذاكرتي و اقطع اميالا بخيالي الى ذلك الحي الذي عشقته في قطاع غزة أضحى أطلالًا و ركام لحياة كانت يوما يعج بها المكان ، هيء لي للحظة أن الزمان قد توقّف ، ليسمح لذاكرتي ، أن تطفو و تحلق لتروي ما سكت عنه الحاضر .و غابت عنه الحقيقة .
كان هذا المكان يومًا عامرًا بالوجوه ،مليء بالامنيات، تسكنه الضحكات، وتُرسم أيامه أنامل صغيرة عذبة البساطة.
كانت هناك نوافذ مشرعة لهواء منعش، و زقزقة عصافير، على شرفاته ، وابواب تُفتح لعابري السبيل، و خلف كل باب حكاية، لا تعرف سوى المحبة.
أما اليوم، فما بقي سوى الجدران المدمرة، والاسقف المهدمة، والأركان التي تنوء بحمل الذكرى،تنبعث منها رائحة دماء زكية .آه على ثقل الذكرى.
رفعت خيالي لاهرب من واقع مرير ، فإذا بذاكرتي اخذتني الى جمال الماضي، و اخذتني من ثقل الحاضر، ووجع الايام القادمة.
ذكرى قديمة، ما تزال عالقة على جدارٍ كان يوما ما خلفه ضحكات و احلام جميلة لارواح سكنت المكان ثم تهاوت كما تهاوت تلك الجدران التي اصبحت انقاض، كأنّ الحلم أبى أن يسقط كما سقطت السقوف، و الجدران، بقي معلقا، و أبى أن يرحل كما رحل أصحاب المكان .
ليت الزمان توقف هناك، ليحرس ذاكرة مثقلة بالحنين،مليئة بالوجع، مدمرة دمار المكان ،شاهدة على زمان قريب كان يعج بالحياه،و ذاكره تأبى النسيان.
ازقة، و شوارع،و بنايات،و مخابز،و ضحكات اطفال تملئ المكان،هناك في ذلك الدوار كان هناك بيت، و همسات في الليل و ضجيج في النهار، و احلام رسمت خلف جدرانه،
لم يبقى منه إلا جدار و شباك و بقايا باب . نعم وبقايا امنيات…
ماض كان يُدار بنفوس جميلة، و ارواح مليئة احلام ،قلوب يهتزّ نبضها مع بداية كل يوم جديد، لترسم مستقبلا تجهّز له . كم مرّة نقشت الأحلام في ذلك الحي ، وكم مرّة تناثرت فيه الحكايات المملوئة بالأمل و المثقلة بالتعب والمحصنة بالدعاء! كأنّه يهمس في هذا اليوم لمن يراه: لقد “كنّا هنا، وكان لنا احلام، و كان لنا ضحكات تملئ المكان،و اصبح للمكان طعمٌ آخر. طعم ملىء بالوجع مثقلا بالاهات،بين ثنايا ازقته وحشة و عتمة ملات المكان .
أمعنت النظر و سافرت بخيالي و كاني اعود بذاكرتي الى المكان ، فإذا هو لا يزال معلّقًا، في ذاكرتي فقط فلم يعد له وجود ، بقي في ذاكرتي فقط لأنّني أبيت أن انساه أبيت أن أسدل عليه ستار الحكاية لانه هو أصل الحكايةٍ و احد فصولها، أبى أن يغيب من الذاكرة في صمت و هو الذي كان يعج بضجيج الحياه ، دون أن يضيق بالذين مرّوا ازقته، و طرقاته،ثم غادروا الى مخيمات النزوح ،او اعتلوا شهداء.
فجأة ارتجف جسدي المثقل بالوجع و عقلي المليء بالذكرى و روحي المتعطشة حنين و سقط ناظري الى اسفل و عدت الى الوقع الحزين فتوقف الزمن للحظة أمامي و أمام الحقيقة المؤلمة و الواقع الحزين، عدت الى واقعي الى شاشات التلفاز التي اتابع منها الواقع المرير صمت كل شيء، الا أصوات الانفجارات و ازيز الطائرات و اختفى بينهما الحلم و غابت الضحكات و تلاشت الاحلام ،ولم يبقَ سوى الذكريات، تروي قصص ارواح كانت يوما هنا و هناك نحلم،نضحك،نبكي،نبني،نرسم،تلاشى كل شيء .
و خيم على المكان صمت رهيب و سؤال هل للحلم بقية ام توقف الحلم و الحزن هو من سيرافقنا في قادم الأيام.
كاتبة من تونس