هل سيحقق الأكراد هدفهم في انشاء الدولة في ظل الصراعات الدولية والإقليمية؟
سعيد عبدالله
يورابيا ـ أربيل ـ من سعيد عبدالله ـ في خضم الصراعات الدولية والإقليمية، ورفض إيراني تركي لمشروعهم، مازال الأكراد في كردستان العراق متمسكون بهدفهم في الاستقلال عن العراق الذي صوت أكثر من 92 في المائة منهم له بنعم في الاستفتاء الذي نظمه الإقليم في 25 أيلول/ سبتمبر من العام الماضي.

محاولات الأكراد الذين قسم أرضهم إبان الحرب العالمية الأولى من قبل بريطانيا وحلفائها على العراق وإيران وتركيا وسوريا، في تأسيس دولة كردية مستقلة ليست وليدة اليوم بل تتواصل منذ سقوط إمبراطوريتهم الإمبراطورية الميدية عام 550 قبل الميلاد، وقد خاضوا حروبا وصلت أوجه بعد الحرب العالمية الأولى ضد الأنظمة التي تدير الدول الأربعة التي تسيطر على أراضيهم، ومازالت هذه الحروب مستمرة في ايران وتركيا وسوريا، أما العراق أصبحت معارك الأكراد من أجل نيل حقوقهم بعد عام 2003 معارك سياسية، فالحكومات التي توالت على العراق بعد 2003 واصلت سياسات الحكومات التي سبقتها في تهميش الكرد وحرمانهم من أبسط حقوقهم.

ويظهر تمسك الأكراد بإنشاء دولتهم في الشرق الأوسط من تصريحات الزعيم الكردي مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان السابق، الذي يقود معركة الاستقلال عن العراق، ويعد مهندس عملية استفتاء الاستقلال، وقد أكد على تمسكه بنتائج الاستفتاء لأكثر من مرة ورفض الغائها، وكانت أبرز تصريحاته عن هذا الموضوع في كلمة القاها خلال المؤتمر الثامن لاتحاد الشبيبة الديمقراطي الكردستاني الذي عقد في مدينة أربيل في 7 آب/ أغسطس من العام الحالي، التي اعتبر فيها الاستفتاء تتويجا للنضال الكردي، وأضاف “إذا فكر شخص أو جهة، بأننا لا نملك ذلك الحق (تقرير المصير) فهو مخطئ. وواهم من يتصور إننا تخلينا وتراجعنا عن ذلك الحق”.
لطالما اصطدمت محاولات الأكراد في انشاء دولتهم بمعارضة شديدة من ايران وتركيا وبعض الدول العربية التي تجد أن انشاء دولة كردية في الشرق الأوسط مشروع لضرب مصالحها، وحاولت هذه الدول وفي مقدمتها ايران ونظام ولي الفقيه الحاكم فيه اجتثاث الكرد وتدميرهم ووأد مشروعه قبل أن يرى النور وقد تمكن هذه الدول وبدعم دولي من منع الأكراد من تحقيق هدفهم حتى الآن، بالرغم من الأكراد تصدوا لهجمات تنظيم داعش وأوقفوا تقدم التنظيم وحرروا مساحات واسعة من الأراضي من سيطرته ومازالوا قوة رئيسية ضمن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة داعش في سوريا والعراق.
وأوضح قيادي كردي بارز لـ”يورابيا” أن إيران تخشى من تأسيس دولة كردية في المنطقة وخصوصا في العراق أنها تعرف أن هذه الدولة ستقف بوجه مخططاتها الإرهابية في المنطقة وتوقف تمددها وتمدد ميليشياتها، إضافة الى أنها تخشى من أن تؤدي هذه المسألة الى استقلال الأكراد في إيران أيضا، مؤكدا “ايران لن تتوانى عن استخدام أي وسيلة من وسائلها الإرهابية في تدمير المشروع الكردي وقد فعلت خلال الأعوام الماضية، فهي التي أثارت الفوضى في الشارع الكردي وفرقت الأطراف السياسية الكردية من خلال حلفائها في كردستان العراق، وهي التي أوعزت لداعش بمهاجمة كردستان عام 2014 بعد سيطرة التنظيم على الموصل، وهي التي طلبت من بغداد العام الماضي فرض عقوبات على المطارات في الاقليم وحرمان الشعب الكردي من قوته اليومي”، مشيرا الى أن “الإرهابي قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني هو الذي قاد في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2017 الهجوم الذي شنته الميليشيات الإيرانية وميليشيا حزب الله اللبنانية الإرهابية بالتنسيق مع حلفائها من الاتحاد الوطني الكردستاني (حزب الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني) على مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان الذي أحبطته قوات البيشمركة بعد معارك طاحنة استمرت لعدة ساعات”.

وأشار القيادي الكردي الى أن تركيا أعلنت هي الأخرى معارضتها الشديدة ضد استقلال كردستان، فهي تخشى ايضا من استقلال أكرادها، موضحا “الموقف التركي كان الأقل شدة لأنها اقتصرت على التصريحات ولم تخطو انقرة أي خطوة عسكرية أو اقتصادية مثلما فعلت بغداد وطهران”، أما ردود فعل العرب فبين السياسي الكردي أن الدول العربية لم تصدر عنها أي موقف تجاه مشروع الدولة الكردية، “العرب لم يعترضوا ولم يبدوا موافقتهم أيضا مع العلم أن مشروع تأسيس الدولة الكدرية يصب في مصلحة العرب لأنه يواجه عدو العرب الأزلي المتمثل بالفرس.
وينحدر الأكراد من أصول هندو ـ أوروبية تنتمي إلى القبائل الميدية التي استوطنت بلاد ماد في إيران الحالية، وأسست إمبراطوريتها في القرن السابع قبل الميلاد (765 ـ 550 ق.م).
يمثل الأكراد حوالي 20 في المئة من سكان العراق أي يبلغ نسمتهم نحو ستة ملايين ونصف مليون كُردي. أما عددهم في أجزاء كردستان الأربع المقسمة على العراق وإيران وتركيا وسوريا فيبلغ أكثر من 40 مليون نسمة، ويعدون رابع أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط. حتى الآن ليست لديهم دولة مستقلة.
ويُشكل أكراد العراق مجموعة متميزة يجمعها العرق والثقافة واللغة التي تشترك فيها مع باقي الأكراد. أما من الناحية الدينية فينتمي الأكراد إلى مجموعة مختلفة من العقائد والديانات، ويصنّف أكثرهم كمسلمين سنة، وأقلية من الشيعة (الفيليون والكُرد اللور، والشبك) إضافة إلى أتباع الديانة الكاكائية والأيزيدية والمسيحية.
ويتحدث معظم الأكراد أكثر من لغة واحدة: الكردية، بالإضافة إلى لغة البلاد التي يعيشون فيها (عادة: العربية، الفارسية أو التركية).
بعد سقوط الإمبراطورية الميدية في (550 ق. م) وامتداداً إلى عام (1851م)، عاش الأكراد على شكل إمارات مستقلة. وفي هذه الجانب سهّلت جغرافية المناطق الجبلية على الأكراد الحفاظ على لغتهم بلهجاتها المختلفة، وعلى عاداتهم وتقاليدهم وتنظيمهم المجتمعي القبلي. وفي مطلع القرن العشرين، بدأ الأكراد يفكرون في تكوين دولة مستقلة باسم “كوردستان”.
ووضع الحلفاء الغربيون المنتصرون في الحرب العالمية الأولى على الدولة العثمانية تصورا لدولة كردية في (معاهدة سيفر)، في 10 آب/أغسطس من عام 1920، وعاهدوا الكُرد في بنودها (62، 63، 64) بتأسيس دولة مستقلة لهم في المناطق الكُردية التي يعيش فيها الأكراد حاليا في تركيا. وبعد سنة يضم اليها القسم الجنوبي من كردستان التي كانت تُسمى بولاية موصل.
ولكن تحطمت هذه الآمال إثر توقيع (معاهدة لوزان 1923) بين دولة تركيا الجديدة والحلفاء، التي وضعت الحدود الحالية لدولة تركيا.
وأُطلق اسم البيشمركة على المقاتلين الثوريين الكُرد الذين كانوا يحاربون من أجل استقلال كردستان بعد تأسيس دولة كردستان عام 1946 في القسم الشرقي من كردستان (كردستان إيران الحالية) وتعني كلمة البيشمركة باللغة الكردية (الذين يواجهون الموت).
انتهى الحال بالأكراد كأقليات في دولهم، وسُحقت أي محاولة كردية لتأسيس دولة مستقلة، رغم محاولاتهم المستمرة لاستقلال كردستان في الدول المشار اليها ما بين أعوام (1919 ـ 1991).
وفي عام 1961 انتفض أكراد العراق مرة أخرى على نظام الجمهوري بقيادة الزعيم الكردي (ملا مصطفى البارزاني)، واندلعت ثورة أيلول التي استمرت 14 عاما، لكنها أُخمدت باتفاقية دولية بين إيران والعراق برعاية الجزائر عام 1975 سميت باتفاقية الجزائر.
مع هذا استمر الأكراد في كردستان العراق بمحاولتهم في سبيل الاستقلال حتى استطاعوا تحرير ثلاث مدن هي (أربيل، دهوك، والسليمانية) في انتفاضة عام 1991 وأسسوا حكومة إقليم كردستان عام 1992. وبعد سقوط نظام البعث في العراق عام 2003 استطاع أكراد العراق عام 2005 من إقرار حكم فيدرالي في إقليمهم الشمالي بموجب الدستور العراقي الذي أنشأ جمهورية اتحادية.
وخلال الأعوام الأربعين الماضية التي مرت على سيطرة نظام ولي الفقيه الإرهابية على الحكم في إيران، لم يشهد الأكراد والمكونات الإيرانية الأخرى سوى القتل ودمار مدنهم وبلداتهم وتحويلها الى معسكرات، فلا يمر يوم في كردستان إيران الا وتعلق فيه المشانق في شوارع مدنها وساحاتها لإعدام الشباب الكرد، في المقابل لم يتوقف النضال الكردي في إيران الذي يحظى بدعم من الحركات النضالية الأخرى المقاومة للنظام الإيراني.
من جهته عبر رئيس اللجنة التنفيذية لإعادة الشرعية لدولة الأحواز المحتلة من إيران، الدكتور عارف الكعبي، الى دعم الأحوازيين لمطالب الأكراد بتأسيس دولتهم، وأضاف الكعبي “الكرد يريدون بناء دولتهم وقيامها وهذا حق مكفول في القوانين السماوية والقوانين الوضعية، والشعب الكردي بنضاله خلال العقود الماضية أثبت أنه يريد تأسيس دولة والا لماذا كل هذه التضحيات من قبل الشباب الكردي، وقد خاض الكرد حروب طاحنة ضد الأنظمة في ايران على مدى العصور الماضية لذلك نحن الأحوازيون قلبا وقالبا مع الشعب الكردستاني ومساعيه لتأسيس دولته، اذا أسست الدولة الكردية سنكون نحن الأحوازيون أول من يعترف بهذه الدولة”.
واعتبر الكعبي قيام الدولة الكردية ودولة الأحواز العربية صمام أمان للأمن والسلم الدوليين اللتان تأسست من أجلهما الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، مضيفا “قيام الدولتين الكردية والاحوازية سيقلل من حجم دولة إيران المصطنعة التي لعبت دورا خبيثا في الأمن والسلم الدوليين في المنطقة، وخير دليل على ذلك بعد مجيء الخميني الى سدة الحكم في طهران عام 1979 جلبت الويلات لجميع دول الجوار والمنطقة وبالتالي دولة إيران دولة خارجة عن القوانين والأعراف الدولية وتتصرف وكأنه لا وجود للحدود والقوانين”. مشددا “الدولة الكردستانية ستقام شاء من شاء وأبى من أبى”.

بدوره يحدد عماد برهو، عضو المجلس الوطني الكردي المعارض في سوريا أبرز الموانع التي وقفت حتى الان في وجه تأسيس الدولة الكردية، وأوضح لـ”يورابيا”: “تتمثل موانع تشكيل الدولة الكردية في الخلافات الكردية- الكردية أو صعوبة التنسيق في أحسن الأحوال، إذ مازال الكرد في كل دولة من دول المنطقة مختلفين عن بعضهم في آرائهم السياسية وأساليب عملهم العسكرية والسياسية وتحالفاتهم الخارجية”.
وتابع برهو أن الأسوأ من ذلك، هو وجود تيارين بتوجهين وتحالفين دوليين مختلفين، تيار قومي له مشروعه القومي الواضح وتحالفه الواضح مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما، والآخر رافض للدولة القومية والبراغماتي التوجه، وتحالفه مع الروس والإيرانيين ومن في فلكهم في إشارة الى حزب العمال الكردستاني التركي المعارض والأحزاب والأطراف السياسية المنضوية تحت جناحه في تركيا وسوريا.
أما بالنسبة للموانع الإقليمية الرافضة لأي توجه كردي نحو الاستقلال حتى لو كان جزئيا، شدد برهو “تقف تركيا في مقدمة هذا المنهج، وتخوض حاليا حربا ضروس في سبيل اجهاض اي مشروع لتشكيل الدولة الكردية، وتتخذ من حزب العمال الكردستاني- المصنف لديها ضمن المنظمات الإرهابية حجة لمحاربة أي قوة أو حزب سياسي أو عسكري، خاصة في سوريا، الأمر الذي أدى بها الى احتلال مدينة عفرين الكردستانية، تهديدها المستمر بغزو المناطق الكردية في سوريا، وتدخلها الدائم في اقليم كردستان تحت ذريعة العمال الكردستاني”، لافتا الى أن النظام الإيراني وحليفه السوري لا يختلف عن التركي في الإعلان علنا عن معاداة الاعتراف بالكرد لديها، إضافة الى المعوق الدولي الذي ما زال يصر على رفض أي إعادة لرسم خريطة المنطقة والسماح بتأسيس دولة كردية تنسف الواقع الجغرافي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، مشيرا الى أنه ومع تمدد الخطر الإيراني في المنطقة وتهديده لشعوب المنطقة، إضافة الى الرفض الدائم من الدولة التركية وأغلب العرب لفكرة الدولة الكردية، يبقى الكرد عبر حركتها السياسية ومنها الأحزاب الكردية في الجزء الملحق بسوريا، تسعى عبر تواجدها ضمن المعارضة السورية لتثبيت حقوق الشعب الكردي المشروعة في دستور سوريا الجديد من خلال الدعوة الى تشكيل سوريا ديمقراطية اتحادية لا مركزية يكون فيها حقوق الأقليات والقوميات محفوظا.
العشائر العربية الساكنة في المناطق المتنازع عليها بين أربيل وبغداد في محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك ونينوى تؤكد أن حقوقها ستكون مضمونة في إطار الدولة الكردية المستقلة عن العراق التي ستضم المناطق المتنازع عليها، فقد شاركت هذه المناطق في استفتاء الاستقلال العام الماضي وكانت نسبة المشاركة فيها وبحسب أرقام رسمية صادرة عن المفوضية العليا للانتخابات والاستفتاء في الإقليم نحو 98 في المائة.
وقال الشيخ مزاحم الحويت، المتحدث باسم العشائر العربية في المناطق المتنازع عليها “حقوقنا مضمونة ضمن الدستور الكردستاني، لذلك نحن اول من طالبنا بالانضمام الى اقليم كردستان منذ عام 2003، ونطالب بإنشاء هذه الدولة التي ستمثل جميع اطياف الشعب الكردستاني، ما زلنا مصرين على انشاء دولة كردستان”، وأكد الحويت أن موقف الدول العربية والأجنبية إيجابي، وأن غالبية الدول ترحب بإنشاء دولة كردستان لكن هناك مصالح شخصية وتجارية مع العراق تمنعهم من اعلان ذلك حاليا.
ونفى الحويت أن يكون هناك دعم إسرائيلي أو تقارب بين الاقليم وإسرائيل، وأضاف “عندما هاجم الحرس الثوري وميليشياته الإرهابية إقليم كردستان بعد الاستفتاء وتصدت لهم قوات البيشمركة لماذا لم تقف أي دولة ومن ضمنها إسرائيل الى جانب كردستان؟ إذا كان حقا هناك تقارب وعلاقات لدافعت إسرائيل عن الكرد لكن هذا يعني أن الكرد يدافعون عن أنفسهم بأنفسهم دون أن يعتمدوا على أي أحد وقدمت قوات البيشمركة التضحيات الكبيرة في هذا الإطار ودافعت عن كردستان وحمتها من داعش والميليشيات الإيرانية طيلة السنوات الماضية”.