السلايدر الرئيسيصحف

نيويورك تايمز: محادثات سرية بين سوريا وإسرائيل بوساطة أمريكية… ودمشق تتجاهل الجولان مؤقتًا

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية إن سوريا وإسرائيل، بعد عقود من العداء والتوتر، بدأتَا مسارًا جديدًا غير مسبوق في العلاقات، وسط تغييرات جذرية في موازين القوى في الشرق الأوسط.

وأضافت الصحيفة في تقرير موسع، أن الحكومة السورية الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، دخلت في محادثات غير مباشرة مع إسرائيل بوساطة أميركية، تهدف إلى تهدئة الأوضاع على طول الحدود الجنوبية، وبناء تفاهمات أمنية محدودة، في تطور وصفته بأنه “الأكثر جدية منذ أكثر من عقد”.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين سوريين وإسرائيليين وأميركيين قولهم إن هذه المباحثات، رغم أنها ما تزال في مراحلها الأولى، تمثل خروجًا واضحًا عن نهج الحكومة السورية السابقة بقيادة بشار الأسد، الذي أطيح به أواخر العام الماضي، بعد 13 عامًا من الحرب الأهلية.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه المفاوضات تعكس واقعًا إقليميًا جديدًا، إذ يشترك الطرفان في عداء مشترك تجاه إيران، الحليف الأبرز للأسد خلال الحرب، وقلق متزايد من النفوذ الإيراني العسكري في سوريا، خاصة عبر الميليشيات التابعة لطهران التي تنشط قرب الجولان.

وبحسب الصحيفة، فإن الرئيس أحمد الشرع، الذي قاد تحالفًا من فصائل المعارضة المسلحة للإطاحة بالأسد، يسعى اليوم إلى إرساء حالة من الاستقرار، حتى وإن لم ترقَ إلى مستوى التطبيع الكامل مع إسرائيل. ونقلت عن أربعة مصادر مطلعة على المفاوضات تأكيدهم أن الشرع “يتصرف ببراغماتية واضحة”، ويبدو أكثر انفتاحًا على التعامل مع إسرائيل مقارنة بأي من أسلافه.

وفي هذا السياق، قالت الصحيفة إن الولايات المتحدة لعبت دورًا رئيسيًا في تسهيل المحادثات، عبر مبعوث الرئيس دونالد ترامب إلى سوريا، توماس ج. باراك الابن، الذي دعا الجانبين إلى توقيع اتفاقية عدم اعتداء كخطوة أولى نحو بناء الثقة. كما شجع واشنطن دمشق على النظر في الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم، التي طبّعت بموجبها أربع دول عربية علاقاتها مع إسرائيل في عهد ترامب، لكن المسؤولين السوريين لم يُبدوا حماسًا لهذا الخيار في الوقت الراهن.

وفي مقابلة مع الصحيفة، قال الحاخام أبراهام كوبر، مدير العمل الاجتماعي العالمي في مركز “سيمون فيزنتال”، والذي زار دمشق مؤخرًا برفقة جوني مور، زعيم إنجيلي بارز، إن الرئيس الشرع لم يطرح مسألة مرتفعات الجولان خلال لقائهما. وأضاف: “بناءً على ما استوعبته وسمعته من الرئيس، فمن غير المرجح أن نسمع عن اتفاقيات إبراهيم في الأمد القريب، ومن المرجح أن نسمع عن نزع فتيل الصراع والتأكد من أن إسرائيل وسوريا ليستا أعداء”.

وفي إشارة إلى تحركات ميدانية موازية، أفادت الصحيفة أن وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني أعلن الجمعة أن سوريا منفتحة على العودة إلى اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، التي أنشأت منطقة عازلة في الجولان تحت إشراف الأمم المتحدة. ورغم أن الاتفاق لا يمثل سلامًا رسميًا، فإن إعادة تفعيله من شأنها أن تضع حدًا للمواجهات العسكرية في الجنوب السوري وتُعيد تطبيق وقف إطلاق النار فعليًا.

لكن التطورات الأخيرة لم تخفِ التوترات العميقة بين الجانبين، حيث واصلت إسرائيل، بحسب الصحيفة، تنفيذ عمليات عسكرية في جنوب سوريا، مبررة ذلك بمخاوفها من تسلل قوات موالية لإيران إلى المناطق القريبة من حدودها. وقد أثار هذا القلق في دمشق من نوايا إسرائيلية بالتمدد العسكري داخل سوريا أو إبقاء وجودها في الجولان بشكل دائم.

وفي تعبير عن الحذر الإسرائيلي، نقلت “نيويورك تايمز” عن مسؤولين في تل أبيب شكوكهم إزاء نوايا الشرع، نظرًا لتاريخه الجهادي وقيادته السابقة لفصيلٍ متمردٍ ارتبط في السابق بتنظيم القاعدة. ورغم تطميناته المستمرة بأنه شريك موثوق للغرب، لا تزال إسرائيل تخشى من أن تتحول سوريا الجديدة إلى دولة إسلامية مناوئة لها على المدى الطويل.

مع ذلك، كشفت الصحيفة عن بعض المؤشرات الإيجابية، مشيرة إلى أن إسرائيل بدأت تعدّل من خطابها إزاء النظام السوري الجديد، ففي الأسبوع الماضي، أعلن مسؤولون إسرائيليون أنهم “منفتحون” على تطبيع تدريجي مع دمشق، ولبنان المجاور، في تطور لافت بعد سنوات من القطيعة والعداء.

وفي ما اعتبرته الصحيفة “بادرة حسن نية” من إدارة ترامب تجاه الرئيس الشرع، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية يوم الإثنين إلغاء تصنيف “هيئة تحرير الشام” – التي كان الشرع يقودها قبل أن يصبح رئيسًا – كمنظمة إرهابية أجنبية، كما رفعت واشنطن جزءًا كبيرًا من العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا.

وفي لقاء عُقد أواخر أبريل/نيسان، قال الشرع، بحسب معاذ مصطفى، مدير “فريق عمل الطوارئ السوري” ومقره واشنطن، إن اتفاقيات إبراهيم “لا تناسب سوريا”، مشددًا على أن أي تقارب مع إسرائيل ينبغي أن يحظى بقبول الشارع السوري، لا أن يُفرض بقرار فوقي أو نتيجة ضغوط خارجية.

أما الباحث مهند الحاج علي، من مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، فقد تساءل في حديثه للصحيفة عما إذا كانت خطوات سوريا الجديدة تمثل تحولًا استراتيجيًا فعليًا أم مجرد مناورة تكتيكية لكسب الوقت وتهدئة الجبهة الجنوبية. وأضاف: “قد نرى تفاهمًا أمنيًا يتبلور تدريجيًا، لكن على المستوى السياسي، لم تظهر بعد أي بوادر ملموسة”.

واختتمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن وزارة الإعلام السورية لم ترد على طلبها للتعليق، وأن المفاوضات بين الجانبين لا تزال في مرحلة حساسة، مشيرة إلى أن الكثير سيعتمد على تطورات الأوضاع الميدانية، وعلى قدرة الطرفين على تجاوز الحذر التاريخي والارتياب المتبادل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى