السلايدر الرئيسيصحف

نيويورك تايمز: السعودية تشدد حملتها ضد المخدرات… وعمليات الإعدام تبلغ مستوى قياسياً

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية إن المملكة العربية السعودية وصلت إلى أعلى معدل لتنفيذ أحكام الإعدام منذ عقود، في إطار ما وصفه مسؤولون سعوديون بأنه “حرب شاملة على المخدرات”، بينما يؤكد ناشطون حقوقيون أن معظم من تم إعدامهم من الفقراء والأجانب منخفضي المستوى في شبكات التهريب.

وأضافت الصحيفة أن الرياض نفذت ما لا يقل عن 320 عملية إعدام منذ بداية العام الحالي، أي ما يفوق بكثير المعدلات التي كانت سائدة خلال السنوات الماضية، رغم تصريحات سابقة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان بأنه سيعمل على الحد من استخدام هذه العقوبة.

وبحسب منظمة “ريبريف” الحقوقية التي تتخذ من لندن مقراً لها، فإن ثلثي الإعدامات هذا العام مرتبطة بجرائم مخدرات، وهو ما تعتبره السلطات السعودية رادعاً ضرورياً لمواجهة تهريب الحشيش وحبوب “الكبتاغون” التي اجتاحت المملكة خلال العقد الأخير. ونقلت الصحيفة عن مسؤول سعودي قوله إن تهريب المخدرات “هجوم على المجتمع وقيمه الإسلامية”، فيما يرى ناشطون حقوقيون أن “الحرب على المخدرات تحولت إلى حرب على الفقراء والمهاجرين”.

ضحايا صغار في شبكة كبيرة

واستعرضت الصحيفة نماذج إنسانية لأشخاص ينتظرون الإعدام، من بينهم الصياد المصري عصام الشاذلي (24 عاماً) الذي ألقت قوات الحدود السعودية القبض عليه عام 2022، بعد أن قال في تسجيل صوتي من سجنه إن مهربين أجبروه على نقل شحنة من الحبوب المخدرة تحت تهديد السلاح.
لكن الادعاء السعودي اتهمه بقبول تهريب 334 ألف حبة أمفيتامين مقابل ثلاثة آلاف دولار فقط، في حين تُقدَّر قيمة الشحنة بملايين الدولارات. ويقول محاميه إن موكله “ضحية لعصابات منظمة استغلت فقره”، مضيفاً أن القضية تفتقر إلى التمثيل القانوني الكافي وأن الاعتراف انتُزع منه تحت التعذيب.

ونقلت الصحيفة عن المحامي والناشط الحقوقي السعودي طه الحاجي قوله إن “أغلب من يُنفذ فيهم حكم الإعدام ليسوا تجار مخدرات كباراً، بل عمال وسائقون ومهاجرون من دول مثل مصر وإثيوبيا والصومال”، مضيفاً أن هؤلاء هم “الحلقة الأضعف في سلسلة التهريب”.

رد الرياض وتبريراتها

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن الحكومة السعودية لم ترد على استفساراتها بشأن قضايا محددة، لكنها كانت قد أكدت في بيان سابق للأمم المتحدة أن بعض جرائم المخدرات “ترقى إلى مستوى القتل نظراً لعواقبها المدمرة على المجتمع”، وأن عقوبة الإعدام تُطبق فقط في الجرائم الأشد خطورة وفي ظروف محددة للغاية.
وتوضح الصحيفة أن غياب قانون عقوبات مكتوب في المملكة يترك مساحة تقديرية واسعة للقضاة في فرض العقوبات، خاصة في قضايا المخدرات، ما يثير انتقادات حول اتساع السلطة التقديرية وإمكانية إساءة استخدامها.

التناقض بين الانفتاح الاجتماعي والتشدد الجنائي

وترى الصحيفة أن هذه السياسة تمثل مفارقة حادة في ظل الانفتاح الاجتماعي غير المسبوق الذي تشهده المملكة بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي رفع القيود عن الحفلات العامة، وخفّف من سلطة “الشرطة الدينية”، وفتح البلاد للسياحة والترفيه.
وتقول الباحثة في “ريبريف” جيد بسيوني إن “الدولة التي تنظّم حفلات موسيقية ضخمة وتفتح أبوابها للمهرجانات العالمية، هي نفسها التي تُعدم أشخاصاً ربما ساهموا في جلب المواد المخدرة التي تُستهلك في تلك المناسبات”، معتبرة أن التناقض بين الحداثة الاجتماعية والتشدد القانوني أصبح السمة الأبرز للمشهد السعودي.

من انخفاض حاد إلى عودة قياسية

وأوضحت الصحيفة أنه بعد عام 2020، انخفضت الإعدامات إلى أدنى مستوياتها (27 حالة فقط) في ظل وقف غير معلن لأحكام الإعدام في جرائم المخدرات. لكن هذا التراجع انتهى فجأة في عام 2022 دون تفسير رسمي، لتعود الأرقام إلى الارتفاع مجددًا وتبلغ أكثر من 345 حالة في عام 2024، وفقًا لمنظمة العفو الدولية.
وتشير البيانات الأخيرة إلى أن أكثر من 90 إعداماً هذا العام كانت مرتبطة فقط بتهريب أو حيازة الحشيش، مع غياب واضح لعمليات قضائية عادلة أو تمثيل قانوني كافٍ للمتهمين الأجانب.

“الحرب على المخدرات” بين الردع والعدالة

تختتم صحيفة نيويورك تايمز تقريرها بالتأكيد على أن المملكة تسعى إلى إظهار حزمها الأمني في مواجهة تهديد المخدرات المتصاعد، لكن هذا التشدد يثير تساؤلات جدّية حول عدالة النظام القضائي وشفافيته، خصوصاً في القضايا التي تطال العمال المهاجرين من إفريقيا وآسيا.
ويحذر ناشطون من أن استمرار هذا النهج قد يقوّض صورة السعودية الجديدة كدولة منفتحة تسعى لتكون مركزاً عالمياً للأعمال والثقافة، بينما تبقى ساحة الإعدامات في الرياض شاهداً صامتاً على المفارقة بين التحديث الاقتصادي والتصلب القانوني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى