أقلام مختارة

من بلد المختار أحييكم

سمير عمر

في مدينة بنغازي الليبية، أمضيت نهار يوم الاثنين الماضي أتابع أعمال القمة العربية الإسلامية غير الاعتيادية المنعقدة في العاصمة القطرية الدوحة، كانت كلمات القادة والزعماء تتوالى لتعكس إجماعاً لا يتكرر كثيراً، فما أقدمت عليه إسرائيل باستهدافها العاصمة القطرية كان جريمة أضيفت لسجلها الإجرامي ممتد الحلقات متعدد الساحات.

في كلمته أمام القمة وجّه الرئيس عبدالفتاح السيسي رسائل واضحة في أكثر من اتجاه، غير أن الجزء الذي حظى بمناقشات الصحفيين والإعلاميين العرب الذين كانوا معي في بنغازي لحضور فعاليات المؤتمر السنوي الأول للإعلام العربي، كان هو الجزء الذي اختتم به الرئيس السيسي كلمته قائلاً: «إن رسالتنا اليوم واضحة؛ فلن نقبل بالاعتداء على سيادة دولنا، ولن نسمح بإفشال جهود السلام.. وسنقف جميعاً صفاً واحداً، دفاعاً عن الحقوق العربية والإسلامية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطينى في إقامة دولته المستقلة، والعيش بحرية وكرامة وأمن.. وختاماً؛ يجب أن تغير مواقفنا من نظرة العدو نحونا، ليرى أن أي دولة عربية؛ مساحتها ممتدة من المحيط إلى الخليج، ومظلتها متسعة لكل الدول الإسلامية والدول المحبة للسلام، وهذه النظرة كي تتغير، فهي تتطلب قرارات وتوصيات قوية، والعمل على تنفيذها بإخلاص ونية صادقة، حتى يرتدع كل باغٍ، ويتحسب أي مغامر، فقد أصبح لزاماً علينا في هذا الظرف التاريخي الدقيق، إنشاء آلية عربية إسلامية للتنسيق والتعاون، تمكننا جميعاً من مواجهة التحديات الكبرى، الأمنية والسياسية والاقتصادية، التي تحيط بنا.. حيث إن إقامة مثل هذه الآلية الآن، تمثل السبيل لتعزيز جبهتنا، وقدرتنا على التصدي للتحديات الراهنة، واتخاذ ما يلزم من خطوات، لحماية أمننا ورعاية مصالحنا المشتركة. ومصر كعهدها دائماً؛ تمد يدها لكل جهد صادق، يحقق سلاماً عادلاً، ويدعم أمن واستقرار العالمين العربي والإسلامي».

في استطلاع رأى سريع أجريته عقب إلقاء الرئيس السيسي كلمته وجدت استحساناً وقبولاً كاملاً لهذه الفكرة، بل ومضى بعض من استطلعت آراءهم إلى القول إن هذه الآلية التي اقترحها الرئيس السيسي، ليست هي السبيل الوحيد لمواجهة الغطرسة الإسرائيلية المدعومة أمريكيا وحسب، بل هي الوسيلة المثلى لمواجهة مختلف التحديات ومجابهة شتى الأزمات التي تواجه الدول العربية والإسلامية على مختلف الصُعُد.

وفي مساء هذا اليوم كان انطلاق أعمال المؤتمر السنوي للإعلام العربي الذي تستضيفه مدينة بنغازي للمرة الأولى، وعلى خشبة المسرح الذي شهد فعاليات حفل الافتتاح، اصطف صبية وفتيات من بنات المدينة المناضلة يرفعون أعلام الدول العربية المشاركة في المؤتمر، ليبدأ المطرب الشاب في غناء الأناشيد الوطنية للدول المشاركة، في مزج موسيقى رائع، وكانت البداية من النشيد الوطني الليبي الذي نظم كلماته الشاعر التونسي البشير العريبي ووضع موسيقاه الموسيقار المصري الكبير محمد عبدالوهاب، ثم كان النشيد الوطني المصري «بلادي بلادي» بتوزيع محمد عبدالوهاب أيضاً، ثم كان النشيد الوطني الجزائري من تلحين الموسيقار المصري محمد فوزي، ثم النشيد الوطني التونسي «حماة الحمى» من تأليف الشاعر المصري مصطفى صادق الرافعي، وتوالت من بعد ذلك الأناشيد الوطنية للدول العربية.

كان المطرب الليبي الشاب ينشد الأناشيد الوطنية على المسرح، وكان الحضور يرددون معه في مشهد عميق الدلالة، هنا لا فرق بين مصري وليبي وجزائري ومغربى، هنا لا فرق بين مشرق عربي، ومغرب عربي، فالجميع تحولوا في لحظة إلى فريق واحد يردد في مزيج رائع أناشيدهم الوطنية، ربما رأى البعض أن تعدد الأناشيد الوطنية دليل على أن الانتماءات القُطرية ستبقى غالبة، بينما رأيته أنا دليلاً على تنوع مطلوب في إطار وحدة مبتغاه.

أعادني مشهد الافتتاح هذا إلى كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي:

«يجب أن تغير مواقفنا من نظرة العدو نحونا، ليرى أن أى دولة عربية؛ مساحتها ممتدة من المحيط إلى الخليج، ومظلتها متسعة لكل الدول الإسلامية والدول المحبة للسلام»، فقد كان المشهد تجسيداً حياً لكلمة «السيسي».

في المؤتمر تحدث كثيرون عما كانت عليه الأوضاع في بنغازي قبل سنوات، عندما كانت المدينة الصامدة تحت سيطرة التنظيمات الإرهابية، وكيف أصبحت المدينة الآن بعد أن تحررت من قبضة التنظيمات الإرهابية، طريق طويل قطعه الليبيون في بنغازي لتصبح مدينتهم على النحو الذي هي عليه الآن، وقوائم الشهداء تضم أسماء بارزة من بينهم الشهيدان عبدالسلام المسماري ومفتاح بوزيد اللذان تم تكريم اسميهما في حفل الافتتاح.

يتذكر المشاركون في المؤتمر سير شهداء الصحافة والإعلام في مواجهة التنظيمات الإرهابية أو في مواجهة العدو الصهيوني، هنا لا فرق فالمعركة واحدة والعدو واحد وإن اختلفت الأقنعة.

في اليوم التالي 16 سبتمبر، الذي يوافق ذكرى استشهاد شيخ المجاهدين عمر المختار، والذي أصبح عيداً قومياً للشهيد، زار مشاركون في المؤتمر ضريح المجاهد الكبير عمر المختار في قلب المدينة الصامدة، وعلى بوابة الضريح يرفع العلم الليبي، وإلى جواره علم فلسطين في مشهد يؤكد مجدداً وحدة المسيرة النضالية ضد الاستعمار، قديمه وحديثه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى