السلايدر الرئيسي

مناف طلاس يعود للمشهد السوري من بوابة “سيانس بو”.. دعوة لبناء جيش علماني ودولة لا طائفية وتحذيرات للشرع

من سعيد حوا

باريس – يورابيا ـ من سعيد حوا ـ أثارت محاضرة ألقاها العميد السوري المنشق مناف طلاس في كلية العلوم السياسية الفرنسية المرموقة “سيانس بو” في باريس، جدلًا واسعًا داخل أوساط الجالية السورية في أوروبا، وبين المعارضين والمهتمين بالشأن السوري، إذ طرح خلالها رؤية سياسية وعسكرية شاملة لمستقبل سوريا، تمحورت حول بناء جيش علماني غير فصائلي، وتأسيس دولة مدنية لجميع السوريين، رافضًا أي مسار يؤدي إلى تقسيم البلاد إلى كيانات طائفية أو مناطقية.

المحاضرة التي حضرها عدد من الصحافيين الفرنسيين والأوروبيين، وممثلون عن النخبة السورية في المهجر، جاءت بعد سنوات من الغياب العلني لطلاس عن المشهد السياسي، رغم ما قيل عن أدوار خفية وتحركات دبلوماسية ظلّت طي الكتمان.

طلاس يقدّم مشروعًا: جيش وطني ودولة موحدة

في كلمته، تحدث طلاس – نجل وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس – عن أهمية بناء جيش وطني سوري مستقل عن العقيدة الفصائلية أو الأيديولوجية الدينية، منتقدًا ما وصفه بـ”النهج الجهادي” الذي اتبعته بعض التشكيلات المسلحة.

كما دعا إلى تطبيق القرار الأممي 2254، مؤكّدًا أن المرحلة الانتقالية يجب ألا تتجاوز 18 شهرًا، يتم خلالها صياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات حرة، واختيار قيادة تمثل تطلعات السوريين في بناء دولة مدنية موحدة.

ولم تخلُ المحاضرة من انتقادات ضمنية للمنافسين في المعارضة السورية، حيث انتقد طلاس شخصيات من بينها الرئيس السوري الحمد الشرع معتبرًا أن الأخير ما زال أسير عقلية فصائلية، ودعاه إلى “تبني نهج بناء الدولة، بدلًا من التمترس خلف مواقف جامدة”.

كما أبدى طلاس استعداده للتعاون مع الشرع ضمن مشروع وطني مشترك في حال توفرت الإرادة السياسية، مؤكدًا أن بناء سوريا المستقبل يتطلب تجاوز الشخصنة والانقسامات.

تحركات دولية… وعودة محتملة

في ختام محاضرته، كشف طلاس عن نية جدية للعودة إلى سوريا “قريبًا”، مؤكدًا أن هذه العودة ستكون “فاعلة ومؤثرة”، ما أعاد إشعال النقاش حول التغيّرات التي قد تشهدها الساحة السياسية في الداخل، لا سيما مع بروز حركات معارضة جديدة مثل حركة هيثم مناع، التي تتقاطع مع طروحاته في الدعوة إلى دولة علمانية موحدة.

مصادر مطلعة ذكرت أن طلاس تلقّى خلال الأشهر الأربعة الأخيرة دعوات متزايدة من عدة عواصم، للمشاركة في مشاورات تجري خلف الكواليس تتعلق بـ”مرحلة ما بعد النظام”، وهو ما فُسّر كمؤشر على تغير المزاج الدولي تجاه الرجل الذي بقي صامتًا طيلة أكثر من عقد.

ردود فعل متباينة: إشادة وانتقاد وتحذير

أثارت المحاضرة ردود فعل حادة ومتناقضة في الأوساط السورية. ففي حين رأى مؤيدوه أن طروحاته “متوازنة وواقعية”، اتهمه معارضون آخرون بمحاولة العودة إلى المشهد السياسي عبر غطاء دولي، دون تقديم مراجعة شاملة لدوره السابق في النظام.

في هذا السياق، نشر حساب “أس الصراع في الشام”، وهو حساب معروف بمواقفه المعارضة، سلسلة تغريدات اعتبر فيها أن طلاس يُعاد تأهيله دوليًا، وأن المحاضرة حضرها عدد من كبار الدبلوماسيين ورجال الاستخبارات العالمية، في حين وصف مشاركة “الشرع” في مؤتمر كونكورديا بأنها “حدث دعائي مدفوع”، متسائلًا: “أين جماعة النصح بالسر؟ الشرع لم يُخرج معتقلي الرأي، فكيف سيقبل بشراكة في الحكم؟”.

وأضاف: “مشروع مناف قد لا ينجح لأنه يصطدم بمشاريع إقليمية ودولية، أبرزها المشروع الإسرائيلي لتفتيت سوريا، لكن على الأقل، هو مشروع يحافظ على وحدة الدولة ويرفض الفدرالية“.

وبينما اعتبر البعض أن طلاس يمثّل جزءًا من مجلس رئاسي من ستة شخصيات قيد التشكل، عبّر آخرون عن قلقهم من أن يؤدي تجاهل المبادرات الوطنية الداخلية إلى فرض “بديل دولي” يُفقد السوريين زمام المبادرة.

ثلاثة مشاريع تتصارع على مستقبل سوريا

التقرير المطوّل الذي نشره “أس الصراع في الشام” لخّص المشهد السوري بثلاثة مشاريع كبرى:

  1. المشروع الإسرائيلي: ويهدف إلى تفتيت سوريا إلى أقاليم طائفية وعرقية (قسد، الساحل، السويداء)، ويُعتبر الأسرع والأكثر تقدمًا.

  2. المشروع الغربي: يتمثل في تحالف قوى دولية لإيجاد بديل للنظام الحالي، يضمن وحدة الدولة، دون منح إسرائيل اليد العليا في القرار السوري، ويرى البعض أن طلاس يُمثّل أحد أدوات هذا المشروع.

  3. المشروع الوطني الداخلي: وهو الأضعف حاليًا، لكنه يُعدّ الأفضل في نظر القوى الثورية، لأنه يقوم على شراكة بين المعارضة وسلطة محلية، إلا أن جمود القيادة الحالية وضعف المعارضة يهددان بموته البطيء.

ما بعد المحاضرة

يرى مراقبون أن محاضرة مناف طلاس في “سيانس بو” لم تكن مجرد حدث أكاديمي، بل إشارة سياسية واضحة إلى أن ترتيبات ما بعد الأسد بدأت تُطبخ بهدوء في كواليس باريس وروما وعمّان.

السؤال المطروح اليوم لم يعد إن كان التغيير قادمًا، بل من سيقوده، وتحت أي مشروع سياسي؟ وهل سيكون التغيير مفروضًا من الخارج، أم نابعًا من الداخل السوري المتعب والمنهك؟

في المشهد المزدحم بالمشاريع المتناقضة، تبقى الكرة في ملعب النخبة السياسية السورية، المنقسمة بين من يرفض التنازل، ومن يخشى التقدّم، بينما شعبٌ كامل لا يزال يدفع الثمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى