السلايدر الرئيسيشمال أفريقيا

مشروع تعديل قانون المجلس الوطني للصحافة يُشعل جدلًا واسعًا في المغرب ويدخل حكومة اخنوش في قلب العاصفة

من فاطمة الزهراء كريم الله

الرباط ـ يورابيا ـ من فاطمة الزهراء كريم الله ـ وسط موجة انتقادات متصاعدة من صحفيين وخبراء وسياسيين، دخلت حكومة عزيز أخنوش في قلب عاصفة جديدة، بعد مصادقتها على مشروع قانون جديد لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في خطوة وُصفت على نطاق واسع بأنها تراجع خطير عن المكتسبات الديمقراطية التي أفرزها دستور 2011.

ففي الثالث من يوليو/تموز 2025، صادقت الحكومة على مشروع القانون، الذي قدمه وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، وتمت إحالته لاحقًا إلى لجنة التعليم والثقافة بمجلس النواب، التي شرعت في مناقشته بتاريخ 9 يوليو.

أزمة امتداد وتسيير مؤقت

وكان المغرب قد أنشأ المجلس الوطني للصحافة عام 2018 كهيئة مستقلة للتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، حيث أُسندت إليه مهام مثل منح بطاقة الصحافة، والتوسط بين المهنيين، ومراقبة احترام أخلاقيات المهنة، وتقديم الرأي في مشاريع القوانين المرتبطة بالقطاع.

غير أن انتهاء ولاية المجلس منذ 2022 دون تنظيم انتخابات جديدة أدخل المؤسسة في حالة فراغ، اضطرت الحكومة على إثره إلى تمديد عمره لستة أشهر، ثم إحداث لجنة مؤقتة لتدبير شؤون الصحافة لمدة سنتين، انتهت بدورها مؤخرًا، لتُطرح الآن إعادة الهيكلة ضمن مشروع قانون جديد.

انتقادات لمضمون التعديلات

في عرضه للمشروع، قال الوزير بنسعيد إن النص التشريعي يأتي في إطار إصلاح شامل للمنظومة الصحفية، ومواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها الإعلام المغربي. وأكد أن المشروع يحافظ على الطابع المهني المستقل للمجلس، ويعزز استمرارية اختصاصاته الأساسية.

لكن هذه التطمينات لم تُقنع أطرافًا عديدة في المشهد الصحفي والسياسي. فقد عبرت المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية عن رفضها لما اعتبرته “اختلالات دستورية”، مطالبة بإحالة المشروع على المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تطبيقًا للفصل 152 من الدستور.

وفي السياق ذاته، اعتبر الوزير السابق مصطفى الخلفي أن المشروع يمثل تراجعًا صريحًا عن روح التنظيم الذاتي، منتقدًا ما وصفه بإدخال منطق التعيين والانتداب في مؤسسة كان يفترض أن تبنى على الانتخاب الحر والديمقراطي.

ضرب للاستقلالية والتمثيلية

أبرز ما أثار الجدل في المشروع هو التحول من التمثيلية المنتخبة إلى نظام مختلط يجمع بين الانتخاب والتعيين، حيث سيتم اختيار 7 أعضاء بالانتداب من طرف هيئات مثل الناشرين، إلى جانب تعيين أعضاء آخرين من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مقابل 7 صحفيين فقط يتم انتخابهم عبر اقتراع فردي مباشر.

ويرى متابعون أن هذه التركيبة تعني عمليًا أن أغلب أعضاء المجلس سيتم تعيينهم أو انتدابهم، بما يقوّض مبدأ الاستقلالية. كما اعتُبر التخلي عن نظام اللائحة في انتخاب الصحفيين انتكاسة ديمقراطية تهمّش التعددية داخل الجسم الصحفي.

مقاربة اقتصادية على حساب الحقوق

رئيس الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، محتات الرقاص، انتقد من جهته اعتماد مشروع القانون على رقم معاملات المؤسسات الصحفية كمعيار لتحديد عدد ممثليها، محذرًا من أن ذلك سيؤدي إلى احتكار التمثيلية من قبل عدد محدود من المقاولات الإعلامية الكبرى، في حين يُقصى الفاعلون الصغار والمتوسطون.

واعتبر الرقاص أن المشروع في مجمله يمثل تراجعًا عن التجربة الأولى التي انطلقت بعد دستور 2011، بدل أن يكون استكمالًا لمسار ديمقراطي بدأ بانتخاب أول مجلس وطني للصحافة.

تجاهل النقابات وتهميش الصحفيين

من جانبها، عبّرت النقابة الوطنية للصحافة المغربية عن استيائها من ما وصفته بـ”الإقصاء الممنهج”، حيث لم يُؤخذ بمقترحاتها في إعداد المشروع، وتم تجاهل الصحفيين في التمهيد القانوني، مقابل إعطاء أولوية للناشرين.

ورأت النقابة أن المشروع يُكرّس نمطًا من التسيير الفردي ويهمّش التنظيمات المهنية والنقابية، بما يناقض مبدأ الحكامة الديمقراطية ويُضعف شرعية التمثيل داخل المجلس.

موقف حقوقي وتحذير من الهيمنة

في الاتجاه ذاته، حذرت “جمعية عدالة من أجل الحق في محاكمة عادلة” من أن المشروع يُفضي إلى هيمنة المال والنفوذ الاقتصادي على قطاع الصحافة، معتبرة أن التمييز بين الصحفيين والناشرين في التعيين يُفقد المجلس استقلاليته ويهدد التعددية الإعلامية.

كما أكدت الجمعية أن هذا التوجه التشريعي يُقوّض الثقة في المؤسسات المهنية ويعيدنا إلى أنماط ضبطية تتحكم في المشهد الإعلامي بدل تحريره.

وزراء سابقون: ضرب لفلسفة التنظيم الذاتي

انضم عدد من الوزراء السابقين، لا سيما وزراء الاتصال، إلى صفوف المنتقدين. فقد اعتبر محمد نبيل بنعبد الله أن المشروع الحالي يُفرغ المجلس من مضمونه، ويحوله إلى ذراع بيروقراطي خاضع لمراكز القرار، بدل أن يكون هيئة مستقلة متوازنة بين الصحفيين والناشرين والمجتمع المدني.

أما محمد الأعرج، الوزير الأسبق وأستاذ القانون العام، فانتقد المشروع لافتقاره إلى الشفافية والإشراك، محذرًا من غياب دراسة الأثر ومشاركة الهيئات الحقوقية والثقافية، ما يُشير –حسب قوله– إلى مقاربة تضبط المشهد الإعلامي اقتصاديًا، لا دستوريًا.

يُعيد مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة في المغرب النقاش حول حرية الإعلام، واستقلالية المؤسسات المهنية، ومدى احترام الدستور في تشريعات الحكومة. وبين من يرى فيه إصلاحًا ضروريًا لمواكبة التحولات الرقمية، ومن يراه تراجعًا عن مكتسبات تنظيمية ودستورية، يبقى القرار النهائي بيد البرلمان، وسط ترقب شديد من الصحفيين والحقوقيين والرأي العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى