مجلة “فورين بوليسي”: يالطا… مرة أخرى.. الغرب يلوّح بفنلدة أوكرانيا مقابل هدنة هشة
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية إن كييف تتعرض لضغوط متزايدة من قبل واشنطن وعواصم أوروبية للقبول بتسوية تفاوضية مع موسكو، قد تشمل تقديم تنازلات إقليمية.
وأضافت المجلة أن الحديث عن اتفاق مشابه لصيغة “الأرض مقابل السلام” عاد إلى الواجهة مؤخرًا، مستشهدةً بتجربة فنلندا بعد الحرب مع الاتحاد السوفيتي عام 1944، حين سلمت أراضي واسعة إلى موسكو مقابل إنهاء الحرب، ولم تتعرض بعد ذلك لأي هجوم.
وأشارت المجلة إلى أن هذا النموذج الفنلندي بات محور نقاش واسع في الأوساط السياسية الغربية، حيث روج له كل من الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب ومجلة “الإيكونوميست”، كما نال تأييدًا من المؤرخ نيل فيرغسون خلال مؤتمر يالطا في كييف.
لكن، ورغم التشابه الظاهري، ترى “فورين بوليسي” أن المقارنة بين الحالتين تفتقر للدقة، بل قد تكون مضللة في بعض جوانبها.
واعتبرت المجلة أن فنلندا كانت تمثل هامشًا جيوسياسيًا محدودًا لموسكو، بينما تُعدّ أوكرانيا اليوم المحور الأساسي للمشروع الإمبراطوري الروسي.
وأضافت أن استقلال أوكرانيا يمثل ضربة استراتيجية لطموحات الكرملين، بخلاف الوضع الفنلندي الذي لم يشكل تهديدًا حقيقيًا للنفوذ السوفيتي.
وتابعت “فورين بوليسي” أن فنلندا استطاعت الحفاظ على استقلالها بعد عام 1944 بفضل مزيج من الجاهزية الدفاعية والموقع الجيوسياسي، وليس بسبب تساهل موسكو.
وأشارت إلى أن فنلندا، رغم حيادها، احتفظت بجيش قوي واحتياطي كبير خلال الحرب الباردة، وهو أمر لا يمكن تجاهله عند الحديث عن ضمانات الردع.
وفي السياق الأوكراني، أكدت المجلة أن محاكاة النموذج الفنلندي تتطلب تعديلين أساسيين: أولاً، تسليح أوكرانيا بشكل كافٍ لضمان ردع مستدام؛ وثانيًا، عدم الاعتراف قانونيًا بأي تغييرات حدودية تفرضها روسيا بالقوة.
وأضافت أن الاعتراف القانوني بتلك التغييرات يتعارض مع الأسس التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصًا مبدأ رفض تعديل الحدود عبر الغزو.
وأشارت المجلة إلى أن موسكو استخدمت في الحالة الفنلندية أدوات غير عسكرية لمحاولة إخضاع هلسنكي سياسيًا، من دعم الأحزاب الموالية، إلى التأثير في الانتخابات، وهي ذات الأدوات التي من المرجح أن تلجأ إليها مع أوكرانيا في حال تم التوصل إلى اتفاق سلام هش.
وقالت “فورين بوليسي” إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان قد قدم خطة طموحة للسلام عام 2022، تشمل استعادة جميع الأراضي المحتلة، إلا أن الواقع العسكري تغيّر، وغالبية الأوكرانيين باتوا يعترفون بصعوبة تحرير تلك المناطق بالقوة في المستقبل القريب.
وألقت المجلة باللوم على إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، معتبرة أنها أبطأت الدعم الحاسم لكييف في اللحظات التي كانت فيها روسيا في أضعف حالاتها.
وأضافت المجلة أن قبول أوكرانيا لوقف إطلاق نار على خط المواجهة الحالي، قد يمنح موسكو فرصة لإعادة ترتيب صفوفها والاستعداد لجولة قتال جديدة.
وفي هذا السياق، انتقدت المجلة نهج الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي تراجع عن الضغط لوقف فوري لإطلاق النار بعد لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ما سمح باستمرار الهجمات على القوات والمدنيين الأوكرانيين.
واختتمت “فورين بوليسي” تقريرها بالتأكيد على أن مصير أوكرانيا لا ينبغي أن يُفصل عن أمن أوروبا ككل.
وأضافت أن أي اتفاق سلام لا يأخذ بعين الاعتبار المخاطر بعيدة المدى التي يشكلها الكرملين على دول البلطيق وبولندا وفنلندا، سيكون بمثابة استرضاء قد يعيد سيناريوهات الماضي.
وخلصت إلى القول إن ترك أوكرانيا وحيدة في مواجهة روسيا، كما حدث مع فنلندا بعد الحرب، ليس خيارًا مقبولًا لأوروبا اليوم.