السلايدر الرئيسيصحف

مجلة جون أفريك ترصد تصاعد الخلاف بين الجزائر والإمارات… تبون يُلوّح بإصبعه وبن زايد يلتزم الصمت

من سعيد وهراني

الجزائر ـ يورابيا ـ من سعيد وهراني ـ في مشهد لافت خلال قمة مجموعة السبع (G7) التي انعقدت في يونيو 2024 بمدينة باري الإيطالية، رصد المراقبون لحظة توتر دبلوماسي بين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وولي عهد الإمارات ورئيسها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حيث شوهد تبون وهو يشير بإصبعه نحو نظيره الإماراتي في لقطة جسّدت التدهور الحاد في العلاقات بين البلدين.

المشهد، الذي وثقته عدسات الصحافة الدولية، لم يكن مجرد حركة عابرة في لقاء دولي مزدحم، بل كان تعبيرًا دقيقًا عن عمق الخلاف المتصاعد بين الجزائر وأبوظبي، كما رأت مجلة “جون أفريك” الفرنسية في تقرير نشرته بتاريخ 7 يوليو 2025. ووفق المجلة، فإن ما كان في يوم من الأيام تحالفًا استراتيجياً بين دولتين عربيتين رئيسيتين، تحوّل تدريجيًا إلى علاقة يغلب عليها التوجس والتوتر والصراع غير المباشر على أكثر من جبهة.

العلاقات بين الجزائر والإمارات لطالما ارتكزت على قاعدة من المصالح المشتركة، خاصة خلال عهد الرئيس الجزائري الأسبق عبد العزيز بوتفليقة، الذي أقام روابط شخصية ومؤسساتية وثيقة مع القيادة الإماراتية. فقد شهدت تلك المرحلة تدفقًا استثماريًا إماراتيًا إلى الجزائر، وتنسيقًا أمنيًا وعسكريًا في عدد من الملفات الحساسة.

لكن مع صعود عبد المجيد تبون إلى السلطة، بدأت ملامح التحول في السياسة الخارجية الجزائرية تبرز بشكل واضح. تبون، المعروف بخطابه السيادي والمستقل، لم يُبدِ نفس الحماس للتقارب مع دول الخليج، لا سيما في ظل انفتاح أبوظبي على علاقات استراتيجية مع المغرب، الذي تعتبره الجزائر خصمًا إقليميًا، خاصة في ملف الصحراء الغربية. كما ساهم توقيع الإمارات على اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل، ضمن “اتفاقيات إبراهيم”، في تعميق الهوة مع الجزائر، التي حافظت على موقف تقليدي داعم للفلسطينيين ورافض لأي تطبيع غير مشروط.

وفق تقرير “جون أفريك”، فإن التوتر لم يقتصر على المواقف السياسية العامة، بل انعكس أيضًا على الملفات الإقليمية الساخنة، وفي مقدمتها الأزمة الليبية. حيث تتهم الجزائرُ الإماراتَ بدعم الجنرال خليفة حفتر، الخصم العسكري لحكومة طرابلس المعترف بها دوليًا والتي تدعمها الجزائر. وبحسب التقرير، تنظر الجزائر إلى النفوذ الإماراتي في ليبيا باعتباره عاملًا مهددًا لاستقرارها الحدودي، خاصة مع ما تراه من دعم إماراتي لبعض الأنظمة العسكرية الهشة في منطقة الساحل، في وقت تكافح فيه الجزائر لمنع انتشار عدم الاستقرار جنوب حدودها.

الخطاب الإعلامي كان بدوره ساحة اشتباك غير مباشرة. حيث سلطت وسائل إعلام جزائرية الضوء على دور السفير الإماراتي في الجزائر، وطرحت تساؤلات – بعضها ضمني وبعضها صريح – حول حجم ونوع تدخلاته في الشؤون الداخلية، مما زاد من منسوب التوتر الدبلوماسي. وعلى الرغم من عدم صدور تعليقات رسمية من الرئاسة الجزائرية، إلا أن استمرار هذه الحملات الإعلامية يُقرأ كضوء أخضر من السلطات لتعميق الجفاء السياسي.

في المقابل، حافظت الإمارات على صمت رسمي تجاه التصعيد الجزائري، في ما اعتبره مراقبون موقفًا مقصودًا يتماشى مع استراتيجية “التجاهل الحذر” التي تنتهجها أبوظبي في علاقاتها المتوترة. لكن اللافت، بحسب التقرير، أن الإعلام الرسمي الإماراتي لم يشارك في الرد أو الهجوم، ما يعكس رغبة ضمنية في عدم تأزيم العلاقات بشكل علني رغم الخلافات الجوهرية.

ترى مجلة “جون أفريك” أن ما يجري بين الجزائر والإمارات ليس خلافًا عابرًا يمكن احتواؤه ببيان مشترك أو قمة ثنائية، بل هو جزء من صراع إقليمي أعمق يدور حول مراكز النفوذ في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. الجزائر تسعى إلى تثبيت نفسها كقوة إقليمية مستقلة، تعتمد على دبلوماسية غير منحازة، بينما تحاول الإمارات توسيع نفوذها عبر شبكة من التحالفات تمتد من ليبيا إلى السودان مرورًا بالمغرب. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، وتعدد خطوط الاشتباك السياسي والأمني، تبدو احتمالات التفاهم بين الطرفين محدودة في الأفق القريب.

انتهى مشهد قمة G7 في مدينة باري، لكن الإشارة التي وجهها تبون لمحمد بن زايد ستبقى، وفق مراقبين، علامة فارقة في مسار علاقات البلدين. لقطة عابرة في الظاهر، لكنها تكثّف خلفها سنوات من التحولات، والصراعات الصامتة، والمخاوف المتبادلة التي تعصف بالعلاقات الجزائرية الإماراتية منذ سنوات. فهل نحن أمام قطيعة وشيكة، أم أن السياسة ستجد مرة أخرى طريقًا للتهدئة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى