مجلة الإيكونوميست: انهيار الحلف الشيعي العابِر للحدود.. فشل المشروع الإيراني في الشرق الأوسط
من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ قالت مجلة الإيكونوميست إن “محور المقاومة” الإيراني، الذي كان من المفترض أن يشكل شبكة إقليمية مترابطة تشبه حلف شمال الأطلسي للتيار الشيعي في الشرق الأوسط، يواجه اليوم تحديات عميقة تهدد وجوده واستمراريته.
وأكدت المجلة أن هذا المحور السياسي والديني الذي نشأ بعد ثورة إيران الإسلامية عام 1979، والذي امتد تأثيره عبر شبكة من الميليشيات والفصائل الشيعية في لبنان والعراق وسوريا واليمن، يبدو اليوم في حالة من التراجع والضعف غير المسبوق.
وأضافت المجلة أن الذكرى السنوية لعاشوراء هذا العام، التي تحيي استشهاد الإمام الحسين، حفيد النبي محمد، شهدت حالة استثنائية من الحزن والاحتجاج بين المجتمعات الشيعية في الشرق الأوسط. ففي مختلف المزارات الشيعية، من جنوب لبنان إلى ضواحي بيروت، ومن العراق إلى سوريا، بكى المصلون قتلاهم الجدد الذين سقطوا في الغارات الإسرائيلية، وسط مشاهد تعكس مأساة عميقة تُعيد التساؤل حول مصير التشيع السياسي في المنطقة.
وذكرت المجلة أن هذه المشاعر امتدت إلى أوساط الجاليات الشيعية في المدن العالمية مثل لكناو في الهند ولندن في بريطانيا، حيث تسود حالة من القلق المتزايد بشأن مستقبل الهوية الشيعية في ظل تراجع نفوذ محور المقاومة.
وأشارت الإيكونوميست إلى أن الشيعة يشكلون حوالي عشر المسلمين في العالم، البالغ عددهم 1.9 مليار نسمة، وأنهم عاشوا لفترة طويلة تحت هيمنة السلطة السنية، ولم تتح لهم فرصة التحكم بالسلطة السياسية بشكل واسع إلا بعد انتصار الثورة الإيرانية التي أعادت تشكيل المشهد الإقليمي. وأكدت أن إيران من خلال دعمها لفصائل مثل حزب الله اللبناني، والميليشيات العراقية، والحوثيين في اليمن، أرادت أن تبني جبهة متماسكة تضمن نفوذًا مستدامًا وتمكّنها من مواجهة النفوذ السني والغرب في آنٍ واحد.
وأوضحت المجلة أن موجة الهجمات العسكرية الإسرائيلية المفاجئة، والتي استهدفت بنية المحور من إيران إلى مواقع في سوريا ولبنان، ألحقت أضرارًا جسيمة بهذا التنظيم المعقد. وأشارت إلى أن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن حدوث ثغرات كبيرة في هياكل السلطة الشيعية، وأدت إلى سلسلة ردود فعل معقدة، منها تحولات داخل المشهد السوري حيث شهدت المناطق ذات الأغلبية السنية مقاومة مسلحة فرضت واقعًا جديدًا على السلطة الحاكمة، فيما وصفها مقربون من الرئيس السوري بأنها تعيد إلى الأذهان سياسات الخلفاء الأمويين الذين ذبحوا أتباع الشيعة في التاريخ.
وقالت الإيكونوميست إن هذه التطورات قد تفتح الباب أمام انتكاسات أوسع نطاقًا، خصوصًا مع الدعم المستمر الذي تتلقاه القوى السنية من دول الخليج النفطية، التي قد تشجع على تجدد التمرد والاضطرابات في العراق، حيث تمثل السنة أغلبية في بعض المحافظات. وأشارت إلى أن الميليشيات الشيعية التي شكلت قوات الحشد الشعبي، والتي كانت القوة الأمنية غير النظامية الأقوى في العراق، بدأت تتراجع من الخطوط الأمامية في المناطق المتنازع عليها، وهو مؤشر على تغير الموازين وتحول استراتيجي في الحسابات السياسية.
وأوضحت المجلة أن السياسة الأمريكية خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب سعت إلى تقليص نفوذ إيران في الشرق الأوسط من خلال سلسلة عقوبات اقتصادية مشددة وضغوط دبلوماسية، إلى جانب تحفيز دول عربية سنية للانضمام إلى اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل المعروفة باتفاقيات إبراهيم، والتي تُعتبر محاولة لكسر الجبهة الموحدة التي شكّلها محور المقاومة حول إيران.
كما أشارت الإيكونوميست إلى أن التراجع لا يقتصر على الساحة السياسية أو العسكرية فحسب، بل يشمل أيضًا الأزمة التي يعانيها التيار الديني الشيعي، حيث يلاحظ تراجع نفوذ المرجعيات الدينية التقليدية. ولفتت إلى أن آية الله علي السيستاني، المرجع الأعلى في العراق، ورغم مكانته الروحية العالية، يواجه تقليلًا في مكانته السياسية، خاصة بعد تجاهل قادته السياسيين لدعواته المتكررة للإصلاح. كما أن آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران، رغم سيطرته الظاهرة، فقد ترك زمام القرار الفعلي لفيلق الحرس الثوري الذي أصبح اللاعب الأقوى في السياسة الإيرانية، متخفيًا خلف واجهة دينية تُشبه حالة “الغيبة” الدينية التي يشير إليها بعض المراقبين بسخرية كـ”إمام خفي”.
وأضافت المجلة أن هناك مؤشرات على توجه بعض القيادات العسكرية الإيرانية نحو تعزيز مشروع السلاح النووي كوسيلة لضمان استمرار النفوذ والردع، في ظل ضغوط متزايدة من خصوم إقليميين ودوليين. وفي العراق، يُلاحظ تصاعد الخطاب الطائفي بين السياسيين الشيعة مع اقتراب الانتخابات، وسط مخاوف من محاولات لإعادة تشكيل السلطة بما قد يهمش دور الشيعة في المشهد السياسي.
وفي المقابل، أشارت الإيكونوميست إلى أن هناك توجهات لدى بعض الشباب الشيعة والمجموعات الشعبية التي ترى في إيران قوة مقاومة تقف بوجه إسرائيل وتدافع عن القضية الفلسطينية، مما أعاد إلى الساحة دعمًا شعبيًا متجددًا لطهران رغم الانقسامات العميقة داخل المجتمعات الشيعية. وقالت المجلة إن هذا الدعم الشعبي المتجدد جاء بعد أن تسببت المواجهات الأخيرة في غزة برد فعل عاطفي قوي لدى بعض القطاعات الشيعية في المنطقة، لكن هذا لم يكن كافيًا لتوحيد المواقف أو بناء مشروع سياسي قوي يحمي المصالح الشيعية على المدى الطويل.
وأبرزت المجلة نموذج أذربيجان كدولة ذات أغلبية شيعية اختارت مسارًا مختلفًا تمامًا عن إيران، إذ أقامت علاقات وثيقة مع إسرائيل، حيث تزود الأخيرة بالنفط مقابل أسلحة وتكنولوجيا، ما يعكس تعددية مسارات التيار الشيعي عالمياً ويبرز محدودية المشروع الإيراني في فرض رؤيته على الجميع.
واختتمت مجلة الإيكونوميست تقريرها بأن جيل الشيعة الحالي يعيش في حالة من الضياع والفراغ السياسي، بعيدًا عن مشروع موحد أو قيادة قادرة على حمايتهم، مما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل التشيع السياسي العابر للحدود في الشرق الأوسط، وسط بيئة إقليمية ودولية متغيرة ومعقدة.