السلايدر الرئيسيشرق أوسط

لبنان على حافة الزوال.. واشنطن تلوّح بالغزو أو التطبيع… وسوريا تتهيأ للعودة من بوابة البحر

من الياس الياس

بيروت ـ يورابيا ـ من الياس الياس ـ في زوايا المشهد الإقليمي المتشابك، تلوح في الأفق أزمة وجودية تهدد لبنان، لا بسبب انهياره الاقتصادي فحسب، بل نتيجة تحولات استراتيجية تدفع بها واشنطن بهدوء وثبات.

المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا ولبنان، توم براك، أطلق تحذيرًا غير مسبوق، حين قال بوضوح إن لبنان مهدد بأن “يصبح بلاد الشام من جديد”، في إشارة صريحة إلى إمكانية أن يقع مجددًا تحت نفوذ دمشق، أو أن يذوب في تحالفات إقليمية تبتلعه سياسيًا وأمنيًا، إذا لم يبادر إلى اتخاذ قرارات حاسمة، على رأسها نزع سلاح حزب الله والانخراط في تسوية إقليمية جديدة قد تشمل تطبيعًا تدريجيًا مع إسرائيل.

في حديثه لصحيفة “ذا ناشيونال”، بدا براك وكأنه يقرأ بيان إنذار نهائي باسم الولايات المتحدة. قال إن لبنان، المحاصر بين إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وسوريا التي “تتشكل بسرعة” كما وصف، سيُعاد تشكيله قسرًا إذا لم يتحرك الآن. ورغم محاولته تغليف الموقف بعبارات الدعم والتفهم، فإن الرسالة كانت قاطعة: لا مساعدات مالية، لا إعادة إعمار، لا حماية دولية، من دون تفكيك معادلة حزب الله العسكرية وتغيير موقع لبنان الإقليمي.

في الكواليس، كشفت مصادر سياسية ودبلوماسية متقاطعة أن واشنطن لم تكتفِ بالتحذيرات، بل طرحت أمام الحكومة اللبنانية ورقة مكتوبة من سبع صفحات، تتضمن عرضًا مباشرًا: نزع سلاح حزب الله بالكامل، إصلاح اقتصادي شامل بإشراف دولي، مقابل مساعدات مالية وإعادة إعمار، وضمانات لوقف أي تصعيد عسكري إسرائيلي. كما أقر براك بأن بلاده سهّلت بالفعل محادثات غير معلنة بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين، في قنوات خلفية تعمل بانتظام، رغم الحظر القانوني الإسرائيلي العلني على هذا النوع من التواصل.

ورغم أن لبنان ردّ على هذا العرض بورقة تتضمن مطالب مضادة، منها الانسحاب الإسرائيلي من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وتعهد رمزي بسيطرة الدولة على السلاح، إلا أن الرد لم يكن كافيًا، بحسب براك، الذي عاد ليحذر بأن “الجميع سيتحرك من حول لبنان” إذا لم يتحرك هو بنفسه. التحذير هنا ليس عابرًا، بل يُترجم في دوائر القرار الأمريكية على شكل خطط جاهزة لدفع قوى إقليمية، كإسرائيل أو حتى سوريا، إلى التدخل في المشهد اللبناني إن لزم الأمر.

المخيف في تصريحات براك أنها تتزامن مع مؤشرات واقعية على توتر متصاعد بين بيروت ودمشق. تسريبات أمنية تحدثت عن تحركات سورية غير معلنة داخل الأراضي اللبنانية، لا سيما في البقاع وطرابلس، ومحاولات لإعادة تنشيط خلايا نائمة أو بناء نفوذ استخباراتي قد يستخدم كأداة ضغط على حزب الله أو على خصومه. في المقابل، يلمح مسؤولون في بيروت إلى أن هذه التحركات قد تكون مقدمة لتدخل سوري واسع، إذا ما انهار التوازن الداخلي أو فشلت الدولة في الإمساك بالمشهد الأمني.

في ظل كل ذلك، لا تبدو الخيارات أمام لبنان كثيرة. فإما أن يدخل طوعًا في مسار التحولات الإقليمية الكبرى التي تديرها واشنطن، من إعادة رسم النفوذ في سوريا، إلى ترتيبات تطبيعية مع إسرائيل، مقابل “استقرار مصطنع”، أو أن يترك نفسه فريسة للتفكك والتدخلات. ووسط الانقسام السياسي الحاد، والعجز الرسمي، والانهيار الاقتصادي الذي لا يزال يتسارع، يصبح الحديث عن “تهديد وجودي” للبنان أقرب إلى الحقيقة منه إلى التحليل.

تبدو البلاد، اليوم، كما لو أنها تقف على شفير خارطة جديدة تُرسم خارج حدودها، وقد تُفرض عليها بالقوة أو بالإغراء، تحت راية التسويات، ومقايضات النفوذ، وتحت أنظار شعب يزداد خيبة ويأسًا من نخبته الحاكمة. وبينما العالم يعيد ترتيب أوراقه في الشرق الأوسط، فإن لبنان قد لا يُستشار، بل يُعاد تدويره، كما قال براك نفسه: “يعاد تدوير مستقبل الجميع”… لكن قد يُعاد تدوير لبنان هذه المرة ككيان مختلف تمامًا عما كان عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى