
يروى، ولا يُعرف على وجه اليقين مدى دقة القصة، أن خطيب الجمعة تأخر عن صعود المنبر، فصعد رجلٌ وصفه الناس بالمجنون، وأراد بعضهم إنزاله، لكن مسؤولًا حاضرًا في المسجد أمر بتركه يخطب. فوقف الرجل وخطب قائلاً: “الحمد لله الذي خلقكم من اثنين، وقسمكم قسمين، فجعل منكم أغنياء لتشكروا، وجعل منكم فقراء لتصبروا، فلا غنيكم شكر، ولا فقيركم صبر، ولا كبيركم ينهى عن المنكر، وقلوبكم مملوءة بالحقد والكراهية… لعنكم الله جميعًا… قوموا إلى صلاتكم أيها المنافقون”.
قد تكون هذه القصة من الخيال الشعبي أو نكتة ذات مغزى، لكنها باتت اليوم واقعية أكثر من أي نشرة أخبار، وتلك الخطبة أكثر صدقًا من كل ما يُقال على منابر الزعماء، ومن كل بيانات الإدانة التي تُنشر بدم بارد.
كلمات ذلك “المجنون” لم تكن جنونًا، بل نبوءة. نبوءة عن زمنٍ نعيشه اليوم بكل قبحه: زمن تُباد فيه غزة أمام أعيننا، ونحن نواصل صلاتنا كأننا لم نر شيئًا، نرفع أيدينا بالدعاء ثم نطويها من جديد ونحن نُدير ظهورنا لمن يُذبحون، نتلو آيات العدل والرحمة ثم نُصادق من يقتل الأبرياء ويحاصرهم. غزة اليوم ليست مجرد عنوانًا في الأخبار، إنها مرآة فاضحة لأمة لم تعرف بعد معنى الدين الذي تزعم الدفاع عنه، أمة تنافست على بناء المساجد ولكنها عجزت عن نصرة من يُصلون تحت القصف، أمة اعتبرت أن العبادة تكفي لدرء الحساب، ولو كانت مُجرّدة من الموقف والكرامة والدم.
منذ اكثر من عامين غزة تُباد، تُسحق، تُجَوَّع، يُقتل فيها الأطفال وهم يصرخون بأسماء أمهاتهم، تُمحى العائلات عن الوجود، ويُدفن الأحياء تحت الأنقاض، بلا طعام ولا دواء، بلا ممر آمن ولا رحمة. في غزة يُذبح الجسد، وفي خارجها تُذبح القيم. الجريمة لا تتم فقط بصواريخ الاحتلال، بل بصمت الدول المجاورة، بتواطؤ الحكام، بعجز الشعوب، بخذلان الأمة. الذين يملكون المال لم يشكروا، لم يسعوا إلى فكّ الحصار أو دعم المظلوم، والذين ابتلاهم الله بالفقر لم يصبروا على الحق، بل تهافت بعضهم إلى موائد الأقوياء، وأما الكبار الذين كان يفترض بهم أن ينهوا عن المنكر، فإما صمتوا، أو شاركوا في المنكر، أو جلسوا يحسبون الربح والخسارة في كل قطرة دم فلسطيني.
لقد رأينا القمم تُعقد، والبيانات تُكتب، والكلمات تُلقى، لكنها كلها مجرّد حبر يُمسَح سريعًا قبل أن يجف، لم يُقطع طريق على الاحتلال، لم يُسحب سفير، لم تُفرض عقوبة، لم تُكسر حدود الحصار، لم تُفتح معابر الحياة. الموقف الرسمي لمعظم الدول الإسلامية والعربية لا يتجاوز العبارات المنمقة والمواقف الرمادية، بينما غزة تحترق. والصلاة قائمة. تُقام في أفخم المساجد، وتُنقل على الفضائيات، وتُرفَع فيها الدعوات بالنصر للمستضعفين، ولكن خارج المسجد لا أحد يتحرك، لا جيوش تُستنفر، ولا حدود تُكسر، ولا كرامة تُستعاد.
والشعوب؟ منها من تحرّك وصرخ وأوجع، ومنها من خاف أو سُجن أو استُنزف أو انشغل. كثيرون باتوا يشعرون أن لا جدوى من الغضب، وأن العالم لا يسمع، والحكام لا يستجيبون، وأن الأمر أكبر من قدرتهم. ولكن حتى الصمت في هذا الوقت جريمة، وحتى الحياد انحيازٌ للقاتل. غزة لا تحتاج دموعنا، بل غضبنا. لا تحتاج من يواسيها، بل من يحمل عنها العبء. لا تحتاج كلمات، بل مواقف، لا تحتاج دعاء، بل فعلًا.
حين قال المجنون: “قوموا إلى صلاتكم أيها المنافقون”، لم يكن يُهين الصلاة، بل كان يهين أولئك الذين جعلوها غطاءً للجبن، درعًا للصمت، رداءً للتخاذل. الصلاة التي لا تدفع صاحبها للوقوف مع الحق، ليست صلاة، إنها طقس فارغ، بلا روح، بلا معنى، بلا أثر. فما أكثر من يصلون اليوم، ولكنهم لا يتحركون، لا يغضبون، لا يفتحون أبوابهم للمحاصرين، ولا يقطعون يد المعتدي.
في غزة تُختبر الأمة كل يوم. ليس في قدرتها على القتال، بل في صدق إيمانها. لأن الإيمان الحقيقي لا يقف في محراب المسجد فقط، بل يقف أيضًا على جبهة العدالة. غزة هي اختبار لصلاة المسلمين، واختبار لضمير العرب، واختبار للإنسانية كلها. فإن فشلوا في هذا الاختبار، فلا حاجة لله في صلاتهم، ولا قيمة لدعائهم، ولا وزن لعبادتهم.
قوموا إلى صلاتكم، إن كانت صلاتكم صادقة، تحمل في طيّاتها موقفًا، ودمعةً، وصرخةً، ورفضًا، وكرامة. وإن لم تكن، فابقوا راكعين، لأن السماء لا تستجيب لصلاةٍ بلا قلب، ولعالمٍ بلا نخوة، ولأمةٍ بلا رجولة.