أقلام يورابيا

قمة الدوحة شجب سياسي معتاد وانكفاء عربي ومصر والخيار الصعب

أحمد المصري

رغم الهجوم غير المسبوق على السيادة القطرية، لم تتجاوز مخرجات قمة الدوحة الطارئة سقف الإدانة اللفظية والشجب السياسي المعتاد، دون ترجمة ذلك إلى قرارات فعلية أو أدوات ردع واضحة تجاه إسرائيل.
ورغم التعبيرات الواسعة عن التضامن، فإن الدول العربية والإسلامية الحاضرة اكتفت ببيان ختامي يحمل طابعًا إنشائيًا، ويعيد التذكير بالمواقف التقليدية، دون خطوات ملموسة كقطع العلاقات، أو التهديد بوقف اتفاقيات التطبيع، أو حتى الدعوة إلى فرض عقوبات دبلوماسية أو اقتصادية جماعية.

الضربة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت قادة من حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، لم تمرّ بهدوء على الساحة السياسية العربية، لكنها أيضًا لم تُقابل بصخب يُوازي حجم الحدث.

في الواقع، ما بدا في الوهلة الأولى وكأنه حادث عابر قد يتحوّل إلى لحظة كاشفة: لحظة تفضح فيها المواقف، وتتباين فيها السياسات، وتُختبر فيها جدية الالتزامات تجاه السيادة العربية، وتجاه القضية الفلسطينية، والأهم، تجاه الذات السياسية لكل دولة عربية على حدة.

الصدمة التي أحدثتها الضربة لم تكن فقط في التوقيت أو الموقع، بل في الرسالة الضمنية التي حملتها: أن إسرائيل مستعدة لتوسيع نطاق ضرباتها الأمنية حتى داخل دول غير معادية لها، وربما تُعتبر “شبه حليفة” من بعض الزوايا الدبلوماسية أو الاستخباراتية.

وهذا بحد ذاته يضع كثيرًا من العواصم أمام امتحان معقّد: كيف تردّ، دون أن تخسر موقعها الاستراتيجي؟ كيف تحافظ على الحد الأدنى من الردّ السيادي، دون أن تدخل في صدام مباشر مع قوة إقليمية مدعومة أميركيًا؟ وكيف تُرضي جمهورًا داخليًا ساخطًا، دون أن تُخيف شركاء دوليين حسّاسين لأي خطاب يُفسَّر كتهديد للاستقرار؟

قطر، بصفتها الدولة المستهدفة، تعاملت مع الحدث بحساسية بالغة. فهي من جهة، تحتضن شخصيات قيادية من حماس بحكم موقعها كوسيط تقليدي في الملف الفلسطيني، ومن جهة أخرى، تحتفظ بعلاقات مفتوحة مع الغرب وتستضيف قاعدة أميركية هي الأكبر في الشرق الأوسط.

هذه المعادلة المزدوجة تُكبّل حرية المناورة إلى حد بعيد، وتجعل من التصعيد أمرًا محفوفًا بالتبعات، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على صعيد التوازنات الدقيقة التي تحكم تحالفاتها الدولية.

أما باقي الدول العربية، فقد جاء ردها انعكاسًا لتشابك معقد بين ضرورات الحفاظ على الشرعية المحلية من جهة، والحفاظ على شبكة المصالح الإقليمية والدولية من جهة أخرى.

بعض هذه الدول، التي تنتمي إلى معسكر ما يُعرف بـ”الاعتدال”، وجدت نفسها في موقف حرج. فهي لا تريد أن تُظهر تأييدًا ضمنيًا للضربة، لكنّها أيضًا لا تملك، أو لا ترغب، في إدانة صريحة قد تُفسَّر كتهديد لمسار التطبيع أو التفاهمات الأمنية والاقتصادية التي بُنيت بشق الأنفس خلال السنوات الماضية.

السعودية والإمارات، على سبيل المثال، التزمتا موقفًا محسوبًا بدقة. الإدانات التي صدرت كانت عموماً مضبوطة اللهجة، تُدين “الاختراق للسيادة” و”تهديد الاستقرار”، دون أن تذكر إسرائيل صراحة أو توجّه لها الاتهام المباشر. هذا النوع من الردود يُظهر عقلية إدارة الأزمات وليس مواجهتها، ويكشف حجم القلق من الدخول في مواجهة غير مضمونة مع إسرائيل أو واشنطن، خاصة في ظل الملفات المفتوحة على مصراعيها في الإقليم: من اليمن، إلى إيران، إلى الانقسام الفلسطيني الداخلي.

لكنّ اللافت في هذا السياق هو أن التباين في الردود لم يكن فقط بين الحكومات، بل بين الخطاب الرسمي والخطاب الشعبي داخل كل دولة. ففي الوقت الذي تمسكت فيه الحكومات بلغة حذرة، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي، والمنابر الإعلامية شبه المستقلة، موجة غضب عارمة تُدين الصمت الرسمي، وتُطالب بمواقف أكثر وضوحًا.

هذا الانفصال بين ما تقوله الدولة، وما يريده الناس، ليس جديدًا، لكنه في هذه الحالة قد يكون أكثر خطورة، لأن إسرائيل لم تهاجم غزة أو جنوب لبنان، بل نفذت عملية في عاصمة خليجية، ما يعني أن الشعور بالتهديد بات أكثر قربًا وواقعية لدى قطاعات واسعة من المواطنين العرب.

في خضم هذا المشهد المربك، تبقى مصر حالة خاصة. فعلى الرغم من أنها لم تصدر موقفًا صداميًا، إلا أن ثقلها الإقليمي، وخبرتها التاريخية في التعامل مع إسرائيل، يجعلها الدولة العربية الوحيدة التي تمتلك من القدرات السياسية والعسكرية ما قد يُمكّنها، نظريًا، من الدخول في مواجهة مع تل أبيب.

لكن القاهرة تدرك أيضًا أن أي تحرك من هذا النوع لا يمكن أن يتم منفردًا. مصر وحدها ليست كافية، لا في المعادلة العسكرية، ولا في توازنات الإقليم، لكنها تظل الطرف العربي الأقدر على كسر حالة الجمود، إن وجدت ظهيرًا عربيًا داعمًا، ورغبة إقليمية حقيقية في إعادة تعريف قواعد اللعبة مع إسرائيل.

في المقابل، خرجت سوريا من المعادلة عمليًا منذ سنوات، بعد تفكيك جيشها التقليدي إثر الحرب الأهلية، وسقوط النظام والحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، وإن سعت لإعادة العلاقات مع بعض العواصم العربية، إلا أنها حريصة على تجنّب أي صدام مباشر مع تل أبيب، وتتعامل مع الملف الفلسطيني من زاوية رمزية فقط.

أما الجزائر، فرغم خطابها السياسي الداعم تاريخيًا للقضية الفلسطينية، إلا أنها تظل بعيدة جغرافيًا واستراتيجيًا عن التماس المباشر مع إسرائيل، ولا تملك أدوات فعلية للتأثير في ميزان الردع، كما أن أولوياتها الداخلية المرتبطة بالاقتصاد والتحول السياسي تُقيّد قدرتها على المبادرة أو التصعيد.

في المحصلة، لم تكن الضربة الإسرائيلية للدوحة مجرد عملية اغتيال تقليدية، بل تحرّكًا رمزيًا يرسم حدودًا جديدة للعبة الإقليمية. وهي حدود، كما يبدو، باتت إسرائيل تسعى لفرضها بقوة الأمر الواقع، مستفيدة من انقسام عربي، وتردد دولي، وبيئة إقليمية باتت الأولوية فيها للتهدئة الاقتصادية أكثر من المواجهة السياسية.

يبقى أن هذه الحادثة، رغم كل تحفظات الدول العربية، تضعهم جميعًا أمام مفترق طرق واضح: إما إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل على أسس أكثر وضوحًا وندية، أو الاستمرار في إدارة العلاقة من خلف ستار، بانتظار ما قد تفرزه الضربات القادمة، التي قد لا تفرق بين “حليف” و”خصم” إذا ما اقتضت الحاجة الأمنية الإسرائيلية ذلك.

باختصار، المشهد الراهن ليس اختبارًا لقطر وحدها، بل للمنظومة العربية برمتها. اختبار لقدرتها على حماية مفهوم السيادة، وصيانة ما تبقى من عمق استراتيجي عربي مستقل، وسط مشهد دولي لا يعترف إلا بمن يفرض معادلاته بقوة السياسة… أو بقوة السلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى