فنانون ومثقفون لبنانيون يدقّون ناقوس الخطر إزاء تصاعد حملات “التحريض والتكفير” ضدهم

بيروت ـ وكالات ـ أطلق عشرات الفنانين والمثقفين اللبنانيين صرخة تحذيرية من تنامي ما وصفوه بـ”ظاهرة خطيرة” تتمثل في تصاعد حملات التحريض والتشهير والتكفير والتهديدات التي تطال العاملين في القطاعين الفني والثقافي، على خلفية أعمالهم الفنية. وجاءت هذه المواقف خلال مؤتمر صحافي عُقد في أحد مسارح بيروت، حيث عبّر المشاركون عن خشيتهم من تضييق متزايد على حرية التعبير، وطالبوا بتدخل السلطات لحمايتهم قانونياً واجتماعياً.
تحريض ممنهج وتهديدات مباشرة
جاءت هذه التحركات بعد أن تعرّضت الفنانة المسرحية اللبنانية المعروفة حنان الحاج علي لحملة تهديد وتشويه ممنهجة، شملت اتهامات بالكفر والإساءة للدين الإسلامي، بسبب عرضها لمسرحية “جوغينغ” في مدينة صيدا جنوب لبنان. المسرحية، التي تُعرض منذ عام 2016 في عدة دول ومهرجانات مرموقة، تتناول قصص نساء لبنانيات تعيش كل منهن على هامش المجتمع وتواجه قيوداً اجتماعية ودينية وثقافية.
لكن مقطعاً مجتزأً من أحد مشاهد العرض في صيدا نُشر على مواقع التواصل، وتم تقديمه خارج سياقه الفني، ليثير موجة من الغضب والاتهامات. وأكدت الحاج علي أنها تلقت تهديدات لفظية وجسدية، كما طالت الحملة منظمي العرض والجامعة التي استضافته، فيما تم تداول دعوات إلى التظاهر أمام المساجد احتجاجاً على ما وُصف بأنه “تعدٍّ على القيم الدينية”.
الفنانون: لسنا وحدنا… هذه قضية قطاع
أكد الفنانون في بيان جماعي حمل توقيع أكثر من 51 مؤسسة وفضاءً ثقافياً، أن ما حدث ليس حادثة معزولة، بل هو “أحد أوجه التهديد الممنهج الذي يطاول العاملين في الفن والثقافة في لبنان”. وأشار البيان إلى أن هؤلاء الفنانين كثيراً ما يتعرضون لـ”التشهير والتحريض والتكفير من دون رادع قانوني”، ما يُفضي إلى الرقابة الذاتية والتراجع عن تناول قضايا حساسة تمس الحريات الفردية أو الاجتماعية أو الدينية.
وقال الممثل والمخرج المسرحي جنيد سري الدين من فرقة “زقاق”، وهي من الفرق المسرحية الرائدة في لبنان، إن “التحريض الذي يتعرض له الفنانون هو في جزء كبير منه ناتج عن قراءات سطحية أو متعصبة للعمل الفني، وأحياناً بدافع ديني أو سياسي”، مؤكداً أن هذه الحملات باتت تهدّد سلامة الفنانين وأسرهم، وتشوّه سمعتهم وتضيّق عليهم في رزقهم ومجالهم المهني.
مطالب واضحة: إلغاء الرقابة وتحصين الحريات
تضمّن البيان عدة مطالب تشريعية وتنفيذية، أبرزها:
إلغاء قانون الرقابة على الأعمال الفنية، أو على الأقل إعادة النظر فيه بما يراعي تطورات العصر.
إقرار قوانين واضحة تحمي حرية التعبير، وتمنع تأويل النصوص القانونية بصورة تقيد الإبداع.
إنشاء خط ساخن ضمن وزارة الثقافة للتعامل مع حالات التحريض أو التهديد، وتقديم دعم قانوني وفني للمُستهدَفين.
الاحتكام إلى القضاء حصراً في أي خلاف أو انتقاد لأعمال فنية، بدلاً من محاكمات شعبية على وسائل التواصل الاجتماعي.
بيئة حرية مهددة رغم التاريخ الطويل
يُعرف لبنان تاريخياً بانفتاحه النسبي مقارنةً بدول الجوار، وكان لفترة طويلة ملاذاً للحرية الفكرية والإبداعية في المنطقة. غير أن الأعوام الأخيرة شهدت تراجعاً ملحوظاً في مساحة الحريات، مع تصاعد الحملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ضد أي طرح يُعتبر “مستفزاً” دينياً أو سياسياً، ما أدى إلى إلغاء عروض، وملاحقة فنانين، وحتى هجرة بعضهم.
وكانت السلطات اللبنانية قد أوقفت في مناسبات سابقة فنانين ومخرجين وكوميديين بسبب محتوى أعمالهم، أو خضعت لضغوط شعبية لمنع أو حجب عروض فنية بحجة “الإساءة للقيم” أو “زعزعة السلم الأهلي”.
رسالة أخيرة: لا للفوضى… نعم للقانون
في ختام المؤتمر، شدّد الفنانون على أن تحرّكهم لا يتوجه ضد أي معتقد ديني أو اجتماعي، بل هو دفاع عن حق مشروع يكفله الدستور اللبناني، داعين إلى رفض لغة التحريض، والعودة إلى الدولة والقانون كضامن وحيد للعدالة والحريات.
وقالت الحاج علي في كلمتها: “الخشية الكبرى اليوم ليست فقط على الفنانين، بل على البيئة الثقافية بأكملها في لبنان، وعلى حرية الفكر التي لطالما ميّزت هذا البلد”.