غياب البدائل الترفيهية جعل المراهقين التونسيين فريسة سهلة للإدمان على الانترنت
يورابيا – تونس – كشفت دراسة طبية حديثة أن نسبة تتراوح بين 15 و20 بالمئة من المراهقين في تونس مصابون بالإدمان على الانترنت. ما ينبئ بحالة اجتماعية مرضية راح ضحيتها الأطفال والمراهقون الذين لم يجدوا بدائل تستوعب طاقاتهم عن الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي للترفيه عن أنفسهم والتعبير عن ذواتهم. ظاهرة الإدمان على الانترنت تحيل أيضا على حالة من الفراغ الذي تم ملؤه بما يقدمه العالم الافتراضي من وسائل تواصل وألعاب رقمية جاذبة لفئة عمرية صغيرة في غياب الإحاطة والتأطير الأسري والرسمي في أغلب الحالات.
ركزت أشغال المؤتمر الرابع للطب العائلي الذي نظمته الجمعية العلمية التونسية للطب العائلي، بمشاركة أكثر من 400 طبيبا من القطاعين العام والخاص على دراسة الإدمان على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والأنترنت. واعتبرت الأستاذة في الطب النفسي للأطفال بمستشفى المنجي سليم أحلام بلحاج، أن الإدمان على استخدام الانترنت تحول إلى ظاهرة “مجتمعية” في تونس بتسجيل عدة حالات متقدمة من الإدمان على الانترنت، مؤكدة بأن آخر الدراسات كشفت عن أن نسبة تتراوح بين 15 و20 بالمئة من المراهقين في تونس مصابون بالإدمان على الأنترنت.
وفي نفس السياق نبهت كاتب عام الجمعية العلمية التونسية للطب العائلي، خديجة زيتون من أن استخدام الأطفال المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، ومن بينها “انستغرام وفيس بوك” قد يترتب عنه تراجع مستواهم الدراسي، لافتة إلى أن ذلك يؤدي أيضا إلى فقدانهم الراحة النفسية وينعكس سلبا على سلوكاتهم.
ودعت زيتون الأسر إلى حماية أبنائها من الوقوع فريسة للإدمان على وسائط التواصل الاجتماعي، مشددة على أهمية الحوار مع الأبناء وتوعيتهم ومتابعة سلوكاتهم لضمان تحصينهم ضد مخاطر الإدمان. وأكدت الأمينة العامة للجمعية التونسية للطب العائلي الدكتورة شهرزاد بن صالح أن إدمان الشباب التونسي على وسائل التكنولوجيا الحديثة على غرار الحواسيب والألعاب الإلكترونية والهواتف الذكية وغيرها أصبح يشكل خطرا على صحتهم. وأشارت إلى أن 20 بالمئة من الشباب التونسي يريدون العلاج لتجاوز هذا الإدمان الخطير جدا والذي أثر على علاقاتهم بمحيطهم الخارجي.
واقع الطفولة والمراهقين والشباب بات مؤرقا للأولياء ولجل المتابعين للشأن الاجتماعي التونسي فانفتاح هذه الفئة على عالم الانترنت منذ سن مبكرة يجعلها عرضة لمخاطره الجمة التي أثبتتها العديد من البحوث العلمية فبجانب الأمراض الجسدية الخطيرة والمتنوعة يصاب الطفل والمراهق بأمراض نفسية أبرز علاماتها الانطواء والعجز على التواصل وبناء العلاقات مع محيطه الأسري والمجتمعي القريب. هذا بجانب ضعف الأداء المدرسي وتدهور قدرات الطفل على التركيز والاستيعاب، ومع الانتشار الواسع للألعاب الرقمية المميتة والتي تدفع الطفل أو المراهق نحو إيذاء نفسه أو الانتحار مثل لعبة الحوت الأزرق، التي راح ضحيتها مراهقون في تونس وفي العالم، فإن وضع المراهقين في تونس بات موسوما بخطورة متزايدة في ظل تواصل إهمالهم.
الوصول إلى مرحلة الإدمان يدق ناقوس الخطر وطلب العلاج يؤكد بلوغ التداعيات السيئة لاستخدام الانترنت أقصاها. فالأسر عموما باتت تلهث وراء توفير متطلبات الحياة اليومية التي ارتفع سقفها من ناحية غلاء المعيشة وضعف المقدرة الشرائية لمعيلي الأسرة ومن ناحية انفتاح الأبناء وتطلبهم المتزايد بتوفير الكماليات أحيانا قبل الضروريات. ضغط نفسي ومادي يعيشه الوالدين كانت ضريبته تقصير في الاهتمام بالأبناء من النواحي التربوية والنفسية، ونقص في محاورتهم وفي متابعتهم ومراقبتهم أثناء استخدامهم للانترنت وهو ما دفعهم نحو الإدمان والاستخدام غير المؤطر لهذه الوسيلة.
الإدمان على الانترنت في سن الطفولة والمراهقة يقديم الدليل على إهمال الدولة التونسية لهذه الفئة المهمة عدديا ونوعيا كون مستقبل البلاد مرهون بتكوينها. فالطفل كما المراهق كما الشاب في المدن والأحياء والأرياف في تونس لا يجد فضاءات ترفيهية تجذبه وتحظى باهتمامه فتستوعب قدراته ومواهبه وتنميها. جل دور الشباب ودور الطفولة ودور الثقافة أيضا باتت مغلقة بسبب تهالك بناها التحتية أو لنقص فادح في وسائل العمل ومرافق التنشيط الثقافي والترفيهي فيها ما جعلها شبيهة ببناءات أثرية مهجورة.
لم توفر الدولة التونسية للأجيال الصاعدة ما يكفيهم شرور الإدمان على الانترنت وعلى غيرها فالطفل والمراهق يمضي يومه من المؤسسة التربوية إلى البيت إلى غرفته لينكب مباشرة وبلهفة على الانترنت في الحاسوب أو في هاتفه الذكي ويقبل عليها لأنها المصدر الوحيد الذي يوفر له القليل من الترويح عن النفس على مضرته، هذا ما أثاره مرارا وتكرار الخبراء في الطفولة وفي التربية وفي علم الاجتماعي وعلم النفس الذين كثيرا ما يلفتون انتباه الأولياء والدولة إلى ضرورة إيلاء مزيدا من الاهتمام والرعاية للأجيال الصاعدة مؤكدين على أن من حقهم أن تتوفر لهم بدائل للترفيه تضمن سلامتهم وتستوعبهم وتقيهم مخاطر الشارع ومخاطر الإدمان على الانترنت وعلى غيرها.