أقلام يورابيا

غزة بين وهم واشنطن وجمود الفصائل.. الفرصة الأخيرة قبل أن يطويهم التاريخ

أحمد المصري

من جديد، تعود واشنطن لتقدّم مشروعًا لإعادة ترتيب غزة، كما لو أن المأساة يمكن أن تُختزل في وثيقة هندسية أو في خريطة إعمار. منذ عقود، تصوغ الإدارات الأمريكية المتعاقبة خططًا تحمل أسماء مختلفة لكنها جميعًا تشترك في جوهر واحد: محاولة فرض رؤية من الخارج، تُدار فيها الأرض الفلسطينية كملف أمني، لا كقضية سياسية لشعب يبحث عن السيادة والكرامة.

الخطة الأخيرة، التي وُصفت بأنها “خارطة طريق لإعمار غزة”، تبدو على الورق أنيقة ومفعمة بالوعود. فهي تتحدث عن إعادة إعمار البنية التحتية، وإنشاء إدارة مدنية جديدة، ونزع سلاح الفصائل، وربط الاستقرار بالأمن. غير أن ما يبدو منسجمًا في صياغته، يبدو متناقضًا في جوهره. فالحديث عن “إدارة جديدة” من دون تحديد مصدر شرعيتها، أو عن “نزع السلاح” من دون معالجة جذور الصراع، لا يعني سوى إعادة إنتاج دوامة السيطرة التي لم تُنتج في السابق إلا مزيدًا من العنف واليأس.

تكمن المفارقة في أن واشنطن لا تزال تتعامل مع غزة وكأنها مساحة منفصلة عن الضفة الغربية والقدس، وكأنّ المشكلة تكمن فقط في “من يحكم القطاع”. هذا الفصل المصطنع بين الجغرافيا والسياسة لا يخدم سوى تثبيت الانقسام الفلسطيني الداخلي وتجميد فكرة الدولة المستقلة. فالقضية الفلسطينية ليست إدارية ولا إنسانية، بل سياسية في جوهرها، وكل محاولة لتجزئتها أو تبسيطها تتحوّل إلى وصفة جاهزة للفشل.

ما يُقدَّم اليوم تحت شعار “الأمن أولاً” ليس إلا إعادة صياغة لمعادلة قديمة أثبتت عقودٌ من التجارب أنها لا تصنع سلامًا. الأمن بلا عدالة لا يدوم، والعنف لا يولّد إلا عنفًا مضادًا. طالما تُقاس العدالة بمقاييس عسكرية، وتُترك السياسة رهينة الحسابات الانتخابية في واشنطن وتل أبيب، فإن الصراع لن يهدأ. فالفلسطيني الذي يُطلب منه أن يعيش في “منطقة آمنة” بلا سيادة، لا يرى في تلك الترتيبات سوى استمرارٍ للاحتلال بأدوات أكثر نعومة.

لكن المأزق لا يقف عند حدود واشنطن أو تل أبيب. فالمشهد الفلسطيني نفسه يعاني من شيخوخةٍ سياسية خانقة ومن أدوات تجاوزها الزمن. القيادات الحالية، التي وُلدت سياسياً قبل زمن أوسلو وبعده، ما زالت تتعامل مع القضية بذات العقلية القديمة، وكأن شيئًا لم يتغير.

رئيس السلطة تجاوز التسعين، ويريد توريث الحكم لابنه في مشهد يختزل أزمة الشرعية في أبسط صورها، فيما تواصل حماس تكرار خطاب المقاومة ذاته بأدوات أثبتت محدوديتها وربما خطائها.

ممثلو الشعب في مؤسساته السياسية والتنظيمية تجاوز معظمهم السبعين، بينما جيلٌ كامل من الشباب الفلسطيني الذي لم يعرف إلا الاحتلال منذ اتفاق أوسلو وجد نفسه مهمشًا، بلا صوتٍ ولا تمثيل.

هذه الفجوة الجيلية ليست تفصيلًا، بل جذر من جذور العجز الفلسطيني، إذ لا يمكن بناء مستقبل بحراس ماضٍ فقد بريقه. التغيير هنا ليس ترفًا ولا شعارًا، بل ضرورة وجودية تعني إعادة تعريف القيادة، وإعادة توزيع السلطة، وفتح الأفق أمام طاقات جديدة قادرة على التفكير خارج قوالب الشعارات القديمة.

تتعامل الولايات المتحدة مع نفسها كوسيط سلام، لكنها في الحقيقة طرفٌ مباشر في الصراع. فهي تمدّ إسرائيل بالسلاح، وتُبرّر أفعالها في المحافل الدولية، ثم تتحدث في الوقت ذاته عن “ضرورة ضبط النفس” و”حق المدنيين في الحياة”. هذا التناقض الأخلاقي لم يعد يمرّ كما كان؛ فحتى داخل المجتمع الأمريكي نفسه بدأت الأصوات تتبدّل، والرأي العام لم يعد يرى إسرائيل بنفس القداسة القديمة. الشباب الأمريكي، وقطاعات واسعة من الليبراليين، بدأوا يطرحون أسئلة محرجة حول جدوى هذا الانحياز المطلق الذي لم يجلب سوى المزيد من الدماء.

في ظل هذا التحوّل، تبدو الخطة الأمريكية الجديدة وكأنها محاولة لتجميل المأزق، لا لتجاوزه. الحديث عن “مرحلة انتقالية” و”إدارة عربية” و”آلية دولية للرقابة” هو حديث عن أعراض الأزمة لا عن أسبابها. فجوهر القضية لا يزال كما هو: غياب حلّ سياسي شامل يضمن للفلسطينيين حقهم في دولة حرة ذات سيادة، ويضمن للإسرائيليين أمنًا حقيقيًا ينبع من إنهاء الاحتلال لا من تعميقه. إن تجاهل هذا الجوهر يجعل أي مبادرة، مهما بلغت من الحرفية، مجرد تمرين دبلوماسي في فراغ.

السلام الحقيقي لا يُفرض من فوق، ولا يُصنع عبر البنود الاقتصادية أو خطوط الإمداد، بل عبر الاعتراف بالإنسان كقيمة مركزية. الفلسطيني لا يحتاج إلى إدارة جديدة بقدر ما يحتاج إلى أفق سياسي يردّ إليه حقه في الأرض والحياة. والإسرائيلي لا يحتاج إلى جدار أطول، بل إلى قناعة بأن الأمن لا يتحقق إلا عندما يشعر جاره بالأمان أيضًا. كل ما عدا ذلك، هو إعادة تدوير للوهم القديم بلغة جديدة.

ولعلّ اللحظة الراهنة تمثل، رغم مأساويتها، الفرصة الأخيرة للفلسطينيين لإعادة ترتيب بيتهم الداخلي واستثمار الزخم العالمي غير المسبوق المتعاطف مع قضيتهم بعد المجازر التي ارتُكبت في غزة. لقد تغيّر المشهد الدولي؛ الجامعات، والنقابات، والإعلام، والرأي العام الغربي، بدأ يرى الصورة كما هي لا كما تُروى.

هذا التعاطف ليس مجرد عاطفة عابرة، بل تحول في الوعي يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي الفلسطيني إذا أُحسن استثماره. ولكن ذلك لن يحدث إلا إذا تغيّر كل شيء: الخطاب، والقيادة، وأدوات النضال. فالعالم مستعد الآن لأن يسمع، لكن لا أحد سيصغي طويلاً إذا ظل الصوت الفلسطيني صدىً لقيادات منهكة وشعارات مستهلكة.

إن العالم لا ينقصه الخطط، بل ينقصه الصدق. والصدق هنا يعني الاعتراف بأن كل مسار يتجاهل الفلسطينيين كفاعلين سياسيين، وكل مشروع يتحدث عن إعمار بلا سيادة، وكل قيادة فلسطينية تُصر على البقاء في مقاعدها رغم فشلها، وكل رؤية تختزل الاحتلال في “ملف أمني”، ليست سوى إدامةٍ للأزمة باسم “السلام”.

غزة ليست مجرد جغرافيا مدمّرة تنتظر إعادة الإعمار، إنها مرآة لعجز السياسة، شرقًا وغربًا، عن تجديد نفسها. وما لم يتغير هذا كله ـ من عقل واشنطن إلى بنية القيادة الفلسطينية نفسها ـ فلن يكون في الغد سوى تكرارٍ بطيء لفشل الأمس، وربما ضياع الفرصة الأخيرة التي أتاحها التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى