عندما تخدم التكنولوجيا الشرّ.. بين المسيّرات القاتلة وذكاء يوقظ الإنسان
سيرينا جمال دملج

هل كانت التكنولوجيا، يومًا، نقية؟ وهل تستطيع، في ذاتها، أن تكون خيّرة أو شريرة؟
منذ أن حمل الإنسان أول حجرٍ حادّ ليقطع به جلد فريسته، كانت المسألة واضحة: الأداة ليست سوى امتدادٍ لإرادة الإنسان. لكن المعضلة الكبرى تظهر حين تصبح الإرادة مُستلبَة، موجّهة، أو مشبعة بأيديولوجيا تُمجّد القتل وتختزل الآخر في هدفٍ ينبغي استئصاله.
اليوم، وبينما تحلّق المسيّرات في سماء غزة، أو خاركيف، أو دمشق، أو طهران، مزوّدةً بأنظمة ذكاء صناعي لتُحدد هدفًا ثم تبيده بكبسة زرّ، يكاد الإنسان يفقد ما بقي له من حسّ الندم، أو حتى من حاجة لتبرير القتل. أصبح الموت مسألة هندسية.
فما الذي تغيّر؟
ليست التكنولوجيا هي ما تغيّر، بل نحن من سمحنا بأن تتحوّل إلى أداةٍ لأدلجة العنف، ولصناعة حرب رخيصة الثمن، باهظة الأثر على المعنى.
المفارقة الصادمة، بل النبيلة، أنّ الذكاء الاصطناعي نفسه – في تجلّياته الأخرى – يكشف كم أنّ الإنسان ما زال يحنّ إلى ذاته. إذ تجد من يُحادث برنامج ذكاء صناعي كي يبوح، ويتأمّل، ويطلب حكمة، ويبحث عن عزاء. تجد من يسأل الآلة عن الشعر، وعن الحب، وعن فلسفة الصمت.
في هذا المسار الثاني، تتجلّى صورة مغايرة: التكنولوجيا كرفيق، لا كجلّاد؛ كأداة للارتقاء في مراتب الوعي، لا كأداةٍ لزرع الرعب على ارتفاع 3000 قدم.
ليست المسألة إذًا في الذكاء الاصطناعي، بل في الذكاء الأخلاقي لمن يستخدمه.
هل نملك، اليوم، قدرةً جماعية على كبح نزعتنا إلى توظيف التكنولوجيا في بناء سجون أيديولوجية؟ أم أننا سنستمرّ في تسليع القتل، والتمويه على الشرّ بأقنعة برّاقة من التطوّر؟
لعلّ هذا هو السؤال الأهم في القرن الحادي والعشرين، لأنّ ملامحه تُرسم الآن، ليس في مختبرات “وادي السيليكون” فحسب، بل في قاعات اتخاذ القرار، وفي مختبرات إنتاج المسيّرات، وفي أعماق كلّ منّا حين نختار: أن ننصت أو أن نُطلق النار.
في تلك اللحظة الدقيقة من الاختيار، بين الإصغاء أو القتل، يتحدّد مصير التكنولوجيا – ومصيرنا معها.
إعلامية وكاتبة صحفية