السلايدر الرئيسيمال و أعمال

صراع النفوذ داخل أوبك.. هل يقود الخلاف السعودي ـ الإماراتي إلى تفكك المنظمة؟

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ في قلب أسواق النفط التي لا تهدأ، وتحت سقف منظمة “أوبك” التي ظلت لعقود اللاعب الأبرز في معادلة الطاقة العالمية، يتصاعد صراع خفي بين قوتين خليجيتين لطالما ظهرتا في العلن كحليفين استراتيجيين: السعودية والإمارات. إلا أن ما يجري في كواليس المنظمة لا يعكس هذا الانسجام الظاهري. فالتفاهمات التقليدية بدأت تتآكل، والخلافات التي كانت تُدار بهدوء داخل الغرف المغلقة، باتت تطل برأسها في كل اجتماع وتحول استراتيجي جديد.

منذ سنوات، أخذت الخلافات بين الرياض وأبوظبي منحى تصاعدياً، وتحوّلت من تباينات فنية إلى تناقضات جوهرية تمس فلسفة إدارة السوق ومستقبل المنظمة.

السعودية، بثقلها السياسي والاقتصادي، تواصل الضغط لضبط المعروض ودعم الأسعار بما يتماشى مع طموحاتها في تمويل مشاريع “رؤية 2030″، وهي رؤية تحتاج إلى أسعار نفط مرتفعة لاستكمال مدنها الذكية ومشاريعها العملاقة في نيوم والقدية وغيرهما.

في المقابل، تدفع الإمارات باتجاه مغاير، وتسعى إلى توسيع إنتاجها بسرعة، مدفوعة باستثمارات ضخمة تجاوزت 60 مليار دولار لرفع قدرتها الإنتاجية، وبرؤية ترى في كل برميل منتَج فرصة يجب اقتناصها قبل أن يتراجع الطلب العالمي في ظل الانتقال إلى مصادر طاقة نظيفة.

ورغم محاولات الطرفين تجميل الخلافات ضمن “التفاهم الخليجي”، إلا أن واقع السياسات الإنتاجية يكشف عن تنافس أعمق وأشد مما يبدو، تنافس يتقاطع فيه الاقتصاد بالنفوذ السياسي، وتتكثف فيه الحسابات المحلية والجيوسياسية، وسط مشهد عالمي متغير لا يرحم المراوغين.

داخل أروقة “أوبك بلس”، التي تجمع دول أوبك مع حلفاء كبار أبرزهم روسيا، أصبحت الإمارات لاعباً يصعب تجاهله، بل وأحد أكثر الأعضاء جرأة في تحدي السقف الإنتاجي. وعلى الرغم من التزامها الرسمي بإنتاج لا يتجاوز 2.9 مليون برميل يومياً، تشير بيانات تتبع الشحنات إلى أن صادراتها تجاوزت هذا الرقم، فيما تقدر بعض الجهات الاستشارية الدولية إنتاجها الفعلي بما يصل إلى 3.4 ملايين برميل يومياً. وبينما تلتزم السعودية الصمت أمام هذا التجاوز، فإن صمتها لا يعني رضاها، بل يعكس محاولة مضنية للحفاظ على تماسك المنظمة وتفادي انفجار سياسي علني.

جوهر الخلاف بين الدولتين لا يقتصر على الأرقام، بل يمتد إلى الأولويات الوطنية، فالمملكة التي تعتمد على سعر لا يقل عن 90 دولاراً للبرميل للحفاظ على توازن موازناتها ومواصلة مشاريعها التنموية، ترى في أي إنتاج زائد تهديداً لاستقرار السوق. بينما تملك الإمارات هامش مناورة أوسع، يكفيها نحو 50 دولاراً للبرميل لتحقيق توازنها المالي، ما يمنحها حرية أكبر في التوسع حتى على حساب انخفاض الأسعار.

ورغم أن “أوبك” أعلنت في مايو الماضي عن زيادة جديدة في الإنتاج، كانت الثالثة في ثلاثة أشهر، فإن هذه القرارات لا تخفي الانقسامات الداخلية المتفاقمة. ما يبدو على الورق استجابة لتغيرات السوق، تخفي خلفه صراعاً محتدماً حول من يملك القرار، ومن يرسم قواعد اللعبة في السوق النفطي الجديد.

مجلة “الإيكونوميست” وصفت ما يحدث داخل “أوبك” اليوم بأنه أحد أكثر فصول التوتر حساسية في تاريخ المنظمة، مشيرة إلى أن خلاف السعودية والإمارات يهدد وحدة الكارتل النفطي الأكثر أهمية في العالم، في لحظة فارقة تشهد تحولات كبرى في سوق الطاقة العالمي. التحالف الذي بدا صلباً خلال أزمات كبرى مثل جائحة كورونا، وحروب الخليج، وطفرة النفط الصخري الأميركي، يواجه اليوم تحدياً من نوع مختلف: انقسام داخلي في الرؤية بين مركز القيادة التقليدي وطموح دولة صاعدة لا تقبل أن تظل في الصف الثاني.

الخطورة لا تكمن فقط في خروج الإمارات عن السقف الإنتاجي، بل في تراكم هذا التباين عاماً بعد عام، ما يخلق انقساماً هيكلياً يتجاوز مجرد توزيع الحصص. فبينما تصر السعودية على تأجيل أي مراجعة شاملة للحصص حتى 2027، تصر الإمارات على أن هذا التأجيل هو بمثابة تجميد لطموحاتها واستمرار لمنظومة لا تعترف بمتغيرات القدرات الإنتاجية الفعلية.

هذا التوتر ليس وليد اللحظة، فقد ظهرت أولى ملامحه بوضوح في يوليو 2021 حين رفضت الإمارات تمديد اتفاق خفض الإنتاج إلا بعد تعديل حصتها. ومع كل تسوية مؤقتة، كانت تنمو بذور الاستياء، إلى أن بدأت التقارير تشير، مطلع 2023، إلى تعقيد متزايد داخل الاجتماعات المغلقة، حيث واصلت الإمارات الضغط لزيادة إنتاجها، في وقت كانت السعودية تقود مبادرات خفض طوعي للإنتاج بهدف دعم الأسعار.

اليوم، ومع تحركات الإمارات لرفع إنتاجها باستخدام الزيادات الطفيفة التي أقرتها “أوبك بلس” مؤخراً، بدأت المخاوف تتعاظم من أن يكون قرار الانسحاب من “أوبك” بات مطروحاً فعلياً على طاولة أبوظبي كورقة تفاوض أخيرة. هذا التهديد، وإن لم يُعلن صراحة، يمثل ما يمكن تسميته بـ”قنبلة موقوتة” في قلب المنظمة.

لا أحد يمكنه الجزم بكيفية انتهاء هذا الصراع. فهل تنجح الرياض في احتواء الطموحات الإماراتية دون تفجير التحالف؟ أم أن الصراع على النفوذ الاقتصادي والسياسي سيقود المنظمة إلى إعادة رسم خرائطها؟ المؤكد أن “أوبك” لم تعد كما كانت، وأن التحديات المقبلة ستكون أكثر تعقيداً من مجرد حسابات إنتاجية.

إنها معركة هادئة على مستقبل الطاقة، يدور جزء منها في صالات الاجتماعات، والجزء الأهم خلف الكواليس، حيث تُصاغ خرائط النفوذ القادمة في الخليج والمنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى