السلايدر الرئيسيصحف

صحيفة بوليتيكو: إدارة ترامب استخدمت موقعًا إسرائيليًا مشبوهًا لاستهداف أكاديميين مؤيدين لفلسطين بالترحيل من الولايات المتحدة

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ كشف موقع صحيفة بوليتيكو الأميركية في تقرير موسّع أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي إطار حملة منظمة تستهدف طرد أكاديميين وطلاب أجانب مؤيدين لفلسطين، اعتمدت بشكل كبير على موقع إلكتروني مجهول يُعرف باسم كناري ميشن (Canary Mission)، وهو موقع مؤيد لإسرائيل يواجه انتقادات واسعة بسبب نشره لوائح اتهامية ضد ناشطين وأكاديميين مؤيدين للقضية الفلسطينية، وغالبًا ما تُستخدم معلوماته بطريقة توصف بأنها تشهيرية وغير موثوقة.

وبحسب سجلات المحكمة غير المختومة، التي كُشف عنها في جلسة محاكمة اتحادية تُعقد حاليًا في بوسطن، فإن مسؤولين في إدارة ترامب، بما فيهم كبير مستشاري البيت الأبيض ستيفن ميلر، كانوا جزءًا أساسيًا في التخطيط والتوجيه لحملة ترحيل عشرات الأكاديميين والطلاب، استنادًا إلى معلومات وفّرتها منصات غير حكومية، في مقدمتها موقع كناري ميشن.

فريق استخباري خاص… وموقع مجهول يزود الإدارة بالمعلومات

وفقًا للوثائق، شكّلت وزارة الأمن الداخلي ما يُعرف بـ”فريق النمر”، وهو فريق من محللي الاستخبارات كُلّف بجمع المعلومات عن أكثر من 100 طالب وأكاديمي أجنبي في الولايات المتحدة، بسبب مشاركتهم في أنشطة مؤيدة لفلسطين. وتُظهر الإفادات أن أكثر من 75 من هذه الأسماء جاءت مباشرة من موقع كناري ميشن.

وتمثلت المهمة الأساسية للفريق في إعداد ملفات أمنية يمكن استخدامها لإلغاء التأشيرات أو منع تجديدها، على خلفية مزاعم بأن هذه الأنشطة تتعارض مع المصالح الأميركية. الموقع ذاته – كناري ميشن – لم يُخفِ هدفه، إذ يُعلن صراحة أنه يسعى إلى فضح “العداء لإسرائيل وللسامية” في الجامعات الأميركية، لكنه لم يكشف حتى الآن عن هوية مشغليه أو مصادر تمويله.

شهادات رسمية: ميلر شارك في مكالمات أسبوعية

شهادات عدد من المسؤولين السابقين والحاليين في وزارتي الخارجية والأمن الداخلي، والتي تضمنتها آلاف الصفحات من محاضر المحكمة، أظهرت أن ستيفن ميلر، أحد أبرز الشخصيات في إدارة ترامب، شارك في مكالمات دورية – أسبوعية في بعض الأحيان – مع موظفين حكوميين لمناقشة أسماء الأكاديميين المستهدفين ومتابعة قرارات الترحيل.

جون أرمسترونغ، القائم بأعمال رئيس مكتب الشؤون القنصلية في وزارة الخارجية، قال في شهادته إنه أجرى “ما لا يقل عن 12 محادثة” مع مسؤولين في البيت الأبيض حول هذه الحملة، وأكد أن ميلر كان يحضر المكالمات إلى جانب مسؤولين من الأمن الداخلي ووزارة الخارجية.

لكن تفاصيل دور ميلر الكامل لم تُكشف، بسبب ما وصفه البيت الأبيض بـ”الامتياز التنفيذي”، وهو ما يمنع المحاكم من الوصول إلى بعض مراسلاته الرسمية.

أدوات استهداف تعتمد على نشاط سياسي علني

الإفادات أوضحت أيضًا أن حملة الترحيل طالت طلابًا وباحثين دخلوا الولايات المتحدة بشكل قانوني – إما بتأشيرة طالب أو بإقامة دائمة – لكن تم استهدافهم بسبب مشاركتهم في مظاهرات أو توقيعهم عرائض أو مشاركتهم في نشاطات طلابية مؤيدة لفلسطين.

الموقع الإلكتروني كناري ميشن كان بمثابة قاعدة بيانات أولية استخدمها المحللون، لكنهم اضطروا لاحقًا إلى “التحقق من صحة المعلومات”، كما قال بيتر هاتش، مساعد مدير الاستخبارات في تحقيقات الأمن الداخلي. لكنه أقر بأن فريقه استند بشكل كبير إلى الموقع الإلكتروني، لأنه وفر قاعدة بيانات “واسعة وصعبة المعالجة”، على حد تعبيره.

هاتش أوضح أن وحدة مكافحة الإرهاب في الوزارة أعادت توزيع محلليها ليشكّلوا “فريق النمر”، ما يعكس حجم الجهد الرسمي الذي وُجّه لهذا المسار.

منظمات أخرى شاركت في تقديم أسماء

إلى جانب كناري ميشن، أشارت التحقيقات إلى أن منظمة “بيتا آر الولايات المتحدة” ساهمت كذلك في تقديم أسماء أكاديميين مؤيدين لفلسطين. هذه المنظمة، التي تنشر أسماء الناشطين وتتبنى شعار “اليهود يقاومون”، أُدرجت مؤخرًا على قائمة الجماعات المتطرفة من قبل رابطة مكافحة التشهير بسبب سلوكها العنيف تجاه المسلمين والناشطين المناهضين لإسرائيل.

في تصريحات إعلامية، أكدت بيتا آر أنها قدّمت بالفعل “قائمة ترحيل” لمسؤولين في إدارة ترامب بعد فوزه في الانتخابات وعودته للرئاسة مطلع هذا العام.

تقييم النشاط السياسي: بين حرية التعبير وتهم معاداة السامية

المسؤولون الذين أدلوا بشهاداتهم في المحاكمة اعترفوا بعدم وجود تعريف دقيق أو موحد لما يُعد نشاطًا مؤيدًا لحماس أو معاديًا للسامية، وهي التهم التي بُنيت عليها قرارات الترحيل.

جون أرمسترونغ أشار إلى أن شعارات مثل “من النهر إلى البحر، فلسطين ستكون حرة” قد تُفسّر على أنها دعوة إلى إزالة إسرائيل، وبالتالي تشكل أساسًا قانونيًا لمنع منح تأشيرة دخول، بينما لم يرَ أن الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة تنتهك السياسات الأميركية.

دعوى قضائية للطعن في السياسات

وتنبع هذه المحاكمة من دعوى قضائية رفعتها كل من جمعية دراسات الشرق الأوسط وجمعية أساتذة الجامعات الأميركية، متهمة إدارة ترامب بانتهاك التعديل الأول للدستور الأميركي، الذي يكفل حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك النشاط السياسي السلمي.

القاضي الفيدرالي ويليام يونغ، الذي ينظر القضية، عبّر عن شكوكه في مدى صلاحية الطعن في بعض بنود القانون التي تم استخدامها لترحيل الأكاديميين، لكنها أول مرة تُكشف فيها بهذا التفصيل الصادم درجة اعتماد البيت الأبيض على مواقع دعائية لتحديد “خصوم أيديولوجيين” في الحرم الجامعي.

شهادات أكاديمية تكشف أجواء الخوف والترهيب

برنهارد نيكل، أستاذ الفلسفة في جامعة هارفارد، قال في شهادته إنه أوقف جميع أنشطته السياسية وتوقف عن التوقيع على العرائض أو السفر دوليًا، خوفًا من أن يُدرج على لائحة الترحيل. وأضاف: “قررت ببساطة أن أبقي رأسي منخفضًا… لقد أصبحت أعيش في ظل الخوف”.

تقرير بوليتيكو يعيد تسليط الضوء على سياسات إدارة ترامب الحالية تجاه حرية التعبير في الجامعات الأميركية، ويكشف عن آلية مؤسساتية اعتمدت على مصادر غير موثوقة ومواقع إلكترونية مثيرة للجدل لتحديد هوية أكاديميين يجب ترحيلهم بسبب آرائهم السياسية.

وبينما تستمر المحاكمة، يبقى السؤال الأبرز: هل يمكن للدولة استخدام أدوات كهذه لمعاقبة الأفراد على أساس قناعاتهم الفكرية؟ وهل سيضع القضاء الأميركي حدًا لهذا النوع من السياسات الأيديولوجية التي قد تُهدد أسس الحريات الأكاديمية والسياسية في البلاد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى