صحيفة الغارديان: لندن رفضت خطط منع الفظائع في السودان رغم التحذيرات من إبادة جماعية محتملة في الفاشر

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن حكومة المملكة المتحدة رفضت خططًا لمنع الفظائع في السودان، رغم تحذيرات استخباراتية مبكرة من احتمال وقوع إبادة جماعية وسقوط مدينة الفاشر في أيدي قوات الدعم السريع. وأكدت الصحيفة، في تقرير حصري استند إلى وثائق حكومية داخلية، أن لندن اختارت “الخيار الأقل طموحًا” من بين أربع خطط قُدمت لتعزيز حماية المدنيين في البلاد، وذلك قبل أشهر فقط من المجازر التي ارتُكبت في المدينة.
تحذيرات مبكرة… وخيارات محدودة
وأضافت الغارديان أن مسؤولين في وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية تلقوا تقارير استخباراتية تحذّر من سقوط الفاشر، التي كانت محاصرة منذ 18 شهرًا، لكنهم رفضوا مقترحات تدخل أكثر جرأة، مفضلين خيارًا محدود التأثير بدعوى قيود التمويل والمساعدات.
وكشفت الصحيفة أن قوات الدعم السريع – وهي ميليشيا شبه عسكرية – سيطرت على المدينة الشهر الماضي، وارتكبت على الفور عمليات قتل واغتصاب جماعي بدوافع عرقية، فيما لا يزال آلاف المدنيين في عداد المفقودين.
وثيقة داخلية: أربعة خيارات لم تُنفذ
وبحسب الغارديان، فقد تضمنت ورقة حكومية داخلية أُعدت العام الماضي أربعة خيارات استراتيجية لتعزيز حماية المدنيين ومنع الجرائم ضد الإنسانية والعنف الجنسي في السودان.
كان أكثرها طموحًا يقضي بإنشاء آلية حماية دولية تعمل ميدانيًا بالتنسيق مع الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة، لكن الحكومة استبعدت هذا الخيار في خريف 2024 بسبب تقليص المساعدات الخارجية.
بدلًا من ذلك، تبنت الحكومة الخيار الرابع – والأقل طموحًا – والذي اقتصر على تخصيص 10 ملايين جنيه إسترليني إضافية للجنة الدولية للصليب الأحمر وبعض المنظمات الإنسانية، دون أي تدخل فعلي على الأرض.
القيود المالية تُضعف الموقف البريطاني
وتابعت الصحيفة أن تقريرًا داخليًا لوزارة الخارجية صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أكد أن المملكة المتحدة اختارت النهج الأقل طموحًا لمنع الفظائع “نظرًا لقيود الموارد والقدرات البشرية”.
وأشار التقرير إلى أن فرق العمل البريطانية في السودان كانت “منهكة بالفعل” وغير قادرة على إدارة برامج جديدة معقدة تتعلق بحماية المدنيين.
كما وجد التقرير أن خفض التمويل أثر سلبًا على قدرة بريطانيا على دعم النساء والفتيات السودانيات، خصوصًا في ظل انتشار العنف الجنسي واسع النطاق الذي وثقته شهادات الناجيات من مدينة الفاشر.
وجاء في التقرير أن “الاقتراح الرامي إلى جعل العنف الجنسي أولوية في البرامج الإنسانية تعطل بسبب نقص التمويل والقدرات الإدارية”، مضيفًا أن البرنامج الموعود للنساء والفتيات لن يكون جاهزًا قبل عام 2026.
منظمات حقوقية: “قرار سياسي لا يمكن تبريره”
وقالت شاينا لويس، المتخصصة في شؤون السودان بمنظمة بايما (منع وإنهاء الفظائع الجماعية) ومقرها الولايات المتحدة، للصحيفة:”الفظائع ليست كوارث طبيعية، بل هي خيار سياسي يمكن منعه إذا توافرت الإرادة السياسية.”
وأضافت:”إن قرار وزارة الخارجية والتنمية باعتماد الخيار الأقل طموحًا يظهر بوضوح عدم أولوية الحكومة البريطانية للوقاية من الفظائع على المستوى العالمي. هذه ليست مجرد مسألة أخلاقية؛ إنها مشاركة غير مباشرة في الإبادة الجماعية المستمرة في دارفور.”
دور بريطانيا في مجلس الأمن موضع تساؤل
ولفتت الغارديان إلى أن نهج الحكومة البريطانية في السودان يحمل أهمية خاصة، كون لندن هي “حاملة القلم” الخاصة بالملف السوداني في مجلس الأمن الدولي، أي الجهة المسؤولة عن صياغة القرارات المتعلقة بالأزمة الإنسانية والسياسية هناك.
غير أن الوثائق المسربة تشير إلى تذبذب الاهتمام السياسي وغياب استراتيجية متماسكة، رغم أن بريطانيا منحت السودان أكثر من 120 مليون جنيه إسترليني كمساعدات إنسانية خلال السنوات الأخيرة.
انتقادات برلمانية: الوقاية ليست رفاهية
وقالت سارة شامبيون، رئيسة لجنة التنمية الدولية في البرلمان البريطاني، إن منع الفظائع يجب أن يكون ركيزة أساسية في السياسة الخارجية للمملكة المتحدة.
وأضافت:”يجب أن تكون الوقاية والتدخل المبكر جوهر عمل وزارة الخارجية والتنمية، ولكن للأسف يُنظر إليهما في الغالب كخيار ثانوي.”
وانتقدت شامبيون ما وصفته بـ”النهج قصير النظر”، خاصة في ظل تقلص ميزانيات المساعدات بسرعة غير مسبوقة، محذّرة من أن التراجع عن مسؤوليات الوقاية قد يؤدي إلى “كوارث لا يمكن احتواؤها لاحقًا”.
تقييم داخلي: قيادة محدودة وتأثير متذبذب
ورغم الانتقادات، أشار تقييم أعدته ليز ديتشبورن، رئيسة هيئة مراجعة المساعدات البريطانية، إلى أن المملكة المتحدة “أظهرت قيادة سياسية موثوقة وقدرة قوية على جمع الأطراف المعنية بشأن السودان”، لكنها أكدت أن تذبذب الاهتمام السياسي قلّل من تأثير هذه الجهود على الأرض.
رد الحكومة البريطانية
ونقلت الغارديان عن مصادر حكومية قولها إن المساعدات البريطانية “تُحدث فرقًا فعليًا” في السودان، مشيرة إلى أن لندن تعمل مع شركائها الدوليين لتحقيق السلام ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
كما استشهدت الصحيفة ببيان صادر عن المملكة المتحدة في مجلس الأمن، وعدت فيه بأن “العالم سيحاسب قيادة قوات الدعم السريع على الجرائم التي ارتكبتها قواتها”.
وفي المقابل، نفت قوات الدعم السريع في تصريحات منفصلة ارتكاب أي انتهاكات بحق المدنيين، واعتبرت التقارير “مسيّسة ومبالغًا فيها”.
واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول إن تردد الحكومة البريطانية في تبني خطوات أكثر جرأة لمنع الفظائع في السودان يمثل “فشلًا أخلاقيًا وسياسيًا” لدولة كانت تُعد تاريخيًا من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان على الساحة الدولية.
وأضافت أن ما حدث في الفاشر يطرح سؤالًا وجوديًا حول معنى الالتزام البريطاني بمبدأ “عدم السماح بتكرار الإبادة الجماعية”، خاصة حين تكون التحذيرات واضحة والخيارات متاحة – لكن الإرادة السياسية غائبة.