صحيفة الغارديان: شباب منشأة ناصر المتعلمون يغوصون في القمامة… ليُنقذوا كوكبهم ويعيدون تعريف العمل البيئي في مصر
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة الغارديان البريطانية في تقرير موسع نُشر اليوم، إنّ جيلاً جديدًا من الشباب المصري المتعلم، وفي طليعتهم سكان منشأة ناصر – المعروفة شعبيًا بـ”مدينة القمامة” في شرق القاهرة – باتوا يقودون ثورة صامتة في مجال إعادة التدوير ومكافحة التلوث البلاستيكي، محولين النفايات إلى مصدر دخل وفخر مجتمعي، في بلد يُنتج أكثر من 100 مليون طن من المخلفات الصلبة سنويًا.
وأوضحت الصحيفة أن شبابًا مثل مينا ندي، خريج التمريض البالغ من العمر 25 عامًا، اختاروا طريقًا غير تقليدي بعد التخرج، حيث انضم ندي إلى مشروع والده العائلي لإعادة التدوير، عوضًا عن العمل في مستشفى. وبدلًا من سلك المهنة الطبية، قرر أن يسهم في “شفاء البيئة”، من خلال فرز آلاف الزجاجات البلاستيكية يوميًا، وفرزها حسب اللون وضغطها لإعادة بيعها لشركات التدوير.
وقالت الصحيفة إن ندي لا يرى في عمله وصمة اجتماعية، بل يراه مساهمة مباشرة في المعركة ضد التغير المناخي، والتلوث البلاستيكي، و”الخراب البيئي الذي بات يخنق القاهرة”.
ونقلت الغارديان عنه قوله: “بالنسبة لي، هذه ليست قمامة. إنها مصدر دخل، وهي أيضًا أداة للحفاظ على نظافة مدينتي. أنا لا أنظف فقط الشوارع، بل أحاول تنظيف مستقبلنا”.
مدينة القمامة… قلب نابض للعمل البيئي
وأشارت الصحيفة إلى أن منشأة ناصر، التي يسكنها نحو 200 ألف نسمة – غالبيتهم من الأقباط الذين هاجروا من جنوب مصر منذ أربعينيات القرن الماضي – تحوّلت إلى ما يشبه الجهاز الحيوي غير الرسمي للتخلص من نفايات العاصمة، حيث يعالج سكان الحي نحو 80% من نفايات القاهرة، ونحو ثلثي نفايات منطقة القاهرة الكبرى، بما في ذلك البلاستيك، والمعدن، والورق، وبقايا الطعام.
وأضافت الصحيفة أن “الزبالين”، كما يُطلق على سكان الحي غالبًا، لطالما واجهوا نظرة اجتماعية دونية، بسبب تراكم القمامة وروائحها ووجود الجرذان والحشرات. ومع ذلك، بدأ الجيل الجديد من السكان في قلب هذه الصورة النمطية، إذ باتوا يفاخرون بعملهم ويُعيدون استثمار أرباحهم في تحسين منازلهم ومجتمعهم.
جيل جديد يقود التغيير
وقالت الغارديان إنّ مينا ندي ليس وحده في هذا المسار. فشقيقه الأصغر مايكل، البالغ من العمر 20 عامًا، ويدرس علوم الحاسوب، يُمضي وقته خارج الجامعة في العمل بمجال التدوير، ويتحدث مع أصدقائه باستمرار عن أزمة النفايات وتحديات البلاستيك.
ونقلت عنه الصحيفة قوله: “الشباب الآن أكثر وعيًا… أصدقائي يحترمون ما أقوم به. لم نعد نخجل من خلفياتنا، بل نراها فرصة حقيقية لتغيير الواقع”.
وفي الطابق العلوي من مركز إعادة التدوير، تقوم العائلة بتجديد شقتها بلمسات حديثة تعكس فخرهم المتزايد بمكانهم. وأضاف مايكل: “هذا مجتمعنا، ونحن فخورون به”.
نساء منشأة ناصر يدخلن خط المواجهة
وذكرت الصحيفة أن عددًا متزايدًا من النساء الشابات في منشأة ناصر يشاركن في هذا التغيير البيئي والاجتماعي. من بينهن إيريني إيدل (29 عامًا)، وهي أم لطفلين وتعمل مع “بنك البلاستيك” – وهي شركة تكنولوجيا اجتماعية تعالج يوميًا نحو 130 كيلوغرامًا من النفايات.
وقالت إيريني للغارديان: “أنا لا أعمل فقط من أجل الدخل، بل من أجل أطفالي. أريد لهم كوكبًا أنظف ومستقبلًا أكثر أمانًا. عملي هو رسالة”.
وأشارت الصحيفة إلى أن فريق إيريني الصغير بات يشكل نواة لحركة شبابية بيئية ناشئة في منشأة ناصر، تتحدى الصورة النمطية للحي وتخلق سردية جديدة للكرامة والعمل الهادف.
رؤية دولية.. منشأة ناصر كنموذج عالمي محتمل
وأضافت الغارديان أن مؤسسات دولية بدأت تلاحظ جهود سكان الحي، من بينها شركة Ocean Bottle البريطانية، التي تُمول مشاريع بيئية في منشأة ناصر. وقال مؤسسها المشارك ويل بيرسون إن “العمل هنا ليس فقط نافعًا بيئيًا، بل يُثبت كيف يمكن للمجتمعات المهمشة أن تكون في طليعة التغيير العالمي”.
ونبّه بيرسون إلى أن إنتاج البلاستيك عالميًا يصدر انبعاثات غازات دفيئة تعادل ما تنتجه سادس أكبر اقتصاد في العالم، محذرًا من تسارع الأزمة البيئية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا سيما في ظل ندرة المياه وازدياد موجات الحر، وفقًا للبنك الدولي.
ووفقًا لبيانات البنك، فإن الفرد في المنطقة يطلق أكثر من 6 كجم من النفايات البلاستيكية في البيئة البحرية سنويًا – وهو المعدل الأعلى في العالم.
من وصمة إلى نموذج بيئي
وختمت صحيفة الغارديان تقريرها بالقول إن منشأة ناصر، رغم أنها لا تزال تغرق في القمامة، إلا أن شبابها يتطلعون إلى مستقبل أنظف، لا فقط لحيهم أو لبلدهم، بل لكوكب بأسره.
وأضافت الصحيفة: “قد تكون الرائحة لا تزال هناك، وقد تواصل أكوام النفايات التكدس، لكن شيئًا جديدًا ينمو تحت السطح: وعي بيئي عميق، وإصرار شبابي على قلب المعادلة. من بين النفايات، يخرج الأمل”.