صحيفة الغارديان البريطانية: بالمال والتيليغرام.. هكذا حاولت إيران زرع جواسيس داخل إسرائيل.. مليون دولار لاغتيال نتنياهو و700 دولار للصور
من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن إيران كثفت جهودها في تجنيد عملاء داخل إسرائيل عبر رسائل مشفّرة وعروض مالية سخية، في إطار حرب استخباراتية شرسة بين البلدين تحولت مؤخرًا إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وأشارت الصحيفة إلى أن أجهزة الأمن الإسرائيلية كشفت، قبل اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران الشهر الماضي، عن شبكة تجسس إيرانية نشطة داخل الأراضي الإسرائيلية، تضم أكثر من 30 مواطنًا إسرائيليًا يشتبه بتعاونهم مع المخابرات الإيرانية، في واحدة من أوسع حملات التجنيد التي تشهدها البلاد.
وأضافت الغارديان أن العديد من عمليات التجنيد بدأت برسائل نصية غامضة، أُرسلت عبر تطبيق تيليجرام أو عبر روابط مموّهة، تعرض مبالغ مالية مقابل مهام صغيرة في الظاهر، مثل تصوير مواقع أو توزيع منشورات، قبل أن تتطور إلى مهام أكثر تعقيدًا وخطورة، بما في ذلك جمع معلومات حساسة وربما تنفيذ عمليات اغتيال.
وتابعت الصحيفة أن المحكمة الإسرائيلية قدمت لوائح اتهام تُظهر نمطًا متكررًا من السلوك: اتصالات أولية مجهولة، عروض مالية، ثم تصعيد تدريجي في طبيعة الطلبات. هذا النمط، رغم محدودية نتائجه الاستخباراتية المباشرة، أتاح لطهران بناء قاعدة بيانات مرئية وميدانية لمواقع استراتيجية إسرائيلية، من بينها منشآت عسكرية، ومرافئ، ومقار أمنية، استُهدفت لاحقًا في الحرب.
وفي المقابل، كشفت الغارديان أن إسرائيل كانت أكثر فاعلية في عملياتها الاستخباراتية، حيث نفذ جهاز “الموساد” سلسلة من العمليات النوعية في الداخل الإيراني، شملت اغتيالات طالت قادة وعلماء بارزين، أبرزهم علماء نوويون، خلال الساعات الأولى من يوم الجمعة 13 يوليو/تموز، في عملية وصفتها الصحيفة بالضربة الاستباقية.
وفي الوقت الذي اعتقلت فيه السلطات الإيرانية أكثر من 700 شخص بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، وفقًا لوكالة فارس الرسمية، فإن الغموض يلف مصداقية تلك المزاعم، لا سيما مع طابع المحاكمات السري وتنفيذ ما لا يقل عن ستة إعدامات دون إجراءات قانونية واضحة.
أما على الجانب الإسرائيلي، فقد أكدت الغارديان أن معظم المعتقلين لا يزالون في انتظار المحاكمة، ما يترك الباب مفتوحًا للتقييم القضائي الفردي لكل حالة. ومع ذلك، تقدم لوائح الاتهام المرفوعة ضدهم لمحة مفصلة عن كيفية عمل شبكات التجنيد الإيرانية.
قالت الصحيفة إن الاتصالات الأولى كانت غالبًا ما تأتي من حسابات تحمل أسماء مثل “طهران القدس” أو “وكالة أنباء”، تتحدث باسم الوحدة الإسلامية أو الحرية، وتطلب معلومات عن الحرب، مصحوبة برابط إلى تيليجرام، حيث يبدأ الحوار الحقيقي.
عبر تيليجرام، يبدأ المجندون بعرض مبالغ مالية مقابل مهام بسيطة: البحث عن “كيس أسود” مدفون في حديقة، تصوير منشأة، تعليق ملصقات معادية للحكومة، أو كتابة شعارات مثل “بيبي = هتلر” على الجدران.
وفي تطور لافت، استخدم بعض المجندين عائلاتهم لمساعدتهم في التقاط صور لمنشآت مهمة، مثل ميناء حيفا وقاعدة نيفاتيم الجوية ومنظومات “القبة الحديدية”، وهي المواقع ذاتها التي استُهدفت لاحقًا خلال “حرب الأيام الـ12” التي اندلعت مؤخرًا.
وأضافت الغارديان أن بعض العملاء طُلب منهم تصوير منازل علماء نوويين إسرائيليين، أبرزهم عالم يعمل في معهد وايزمان، الذي تعرض لاحقًا لقصف صاروخي إيراني. وأشارت إلى أن صور العملاء ساعدت على ما يبدو في تحديد الأهداف، وإن فشلت محاولات الاغتيال المباشرة.
وفي مرحلة أكثر تقدماً، حاولت إيران دفع مجنديها نحو تنفيذ عمليات تصفية، لكن كثيرين رفضوا أو انسحبوا. في إحدى الحالات، عُرض على مجند مبلغ 60 ألف دولار مقابل اغتيال عالم نووي مع عائلته، فوافق مبدئيًا وبدأ بتجنيد أربعة من رجال الشرطة الإسرائيليين، لكن العملية فشلت عند بوابة معهد وايزمان.
واعتبرت الصحيفة أن الأسلوب الإيراني في التجنيد يوحي بنهج “الاختبار والفرز”، حيث يتم تجريب العديد من الأفراد بمهام صغيرة لمعرفة من يمكن الوثوق به لاحقًا للقيام بعمليات أكبر.
ومن بين أبرز القضايا، سردت الغارديان تفاصيل عملية تجنيد مردخاي “موتي” مامان (72 عامًا)، الذي واجه ظروفًا مالية صعبة. عبر سلسلة من الرحلات السرية إلى جنوب تركيا ثم إيران، عرض عليه عملاء إيرانيون مبالغ ضخمة مقابل تنفيذ مهام خطيرة، شملت نقل أموال، تصوير مناطق مكتظة، وحتى اغتيال شخصيات رفيعة مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الشاباك، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت.
قالت الصحيفة إن مامان طلب مليون دولار لتنفيذ عملية الاغتيال، وهو مبلغ رفضه الإيرانيون، فاقترحوا هدفًا بديلًا مقابل 400 ألف دولار: رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت. لكن مامان تمسك بمطالبه المالية، لتنتهي الصفقة بالفشل.
ورغم ادعاءه لاحقًا أنه لم يكن يعلم أنه في إيران، وأنه ظن أن “إيدي” مجرد تاجر زبيب وتوابل، حكمت المحكمة عليه بالسجن 10 سنوات، في أبريل/نيسان الماضي، بتهمتي “الاتصال بعميل أجنبي” و”الدخول غير المصرح به إلى دولة معادية”.
اختتمت الغارديان تقريرها بنقل تصريحات محامي مامان، الذي اعتبر الحكم قاسيًا، وأكد أن موكله تعرض للضرب واحتُجز في ظروف مهينة، قائلاً: “ارتكب خطأً جسيمًا، لكنه لا يستحق أن يُدفن حيًّا بسببه”.