أقلام يورابيا

شرعنة الاحتلال ومصير التسوية السورية

د. مهيب صالحة

د. مهيب صالحة

لم يشهد التاريخ قط احتلالاً لم يسوق لنفسه المبررات الواهية التي تشرعنه، لذلك يجوز وصف التاريخ بأنه وجهة نظر، وتاريخ الاحتلال بأنه وجهة نظر مبنية على جملة ادعاءت باطلة. فالاحتلال، أي احتلال، هو وجود قوة عسكرية لدولة على أراضي دولة أخرى، وما لم يحصل هذا الوجود على إجماع شعب الدولة تحت الاحتلال باعتبار مفهوم الشعب جملة خيارات تعبر عن ذواتها بحرية، وليس مجرد كتلة بشرية متجانسة يُعبر عنها بالإنابة، فلا يجوز شرعنة ما يسوقه الاحتلال من ادعاءات، أو ما يسوقه من مبررات أو حجج أحد الخيارات في الدولة تحت الاحتلال الذي استدعى الاحتلال.
وتتميز الحروب الأهلية، أو الداخلية، بكثرة التدخلات الخارجية التي يتحول معظمها إلى احتلال لا يشرعنه اجماع داخلي. أما الوجود العسكري الخارجي الذي يأتي باجماع داخلي كما الوجود العسكري الأمريكي في اليابان أو أوروبا، ولا يلقى مقاومة من أي خيار من خيارات الشعب فلا يعتبر احتلالاً، ولكن في اللحظة التي تنشأ ضده مقاومة من أحد خيارات الشعب يفقد شرعيته ويتحول إلى احتلال.
لو لم يستدعِ النظام السوري إيران، وهو في وضع حرج عام 2012، لكانت الجمهورية الإسلامية الايرانية تدخلت من دون شور أو دستور، وبتغطية من العالم الحر وغير الحر لأنها الوحيدة الأقرب إلى منطق كسر إرادة الشعب السوري الذي ثار ضد الاستبداد ومن أجل الحرية، بما لها من استثمارات سياسية واقتصادية وعسكرية وطائفية وثقافية في سورية، عمرها يساوى عمر ايران الطائفية الذي بدأ مع أول قدم خمينية وطأت أرض طهران، وكانت نذير موت أهم دولة علمانية في منطقة الشرق الأوسط، ونصير قيام دول طائفية أو دينية تنسجم مع طرح الدولة اليهودية، الذي تروج له إسرائيل.
لقد كان التدخل الايراني بداية بواسطة ذراعها في لبنان حزب الله بحجة حماية المراقد الدينية، ومن ثم مع تدهور وضع النظام السوري أكثر، رمت ايران بكل ثقلها في سوريا من خلال حرسها الثوري وبعض قطعاتها وخبراتها العسكرية وميليشياتها الطائفية، فاطميون وزينبيون والنجباء وعصائب أهل الحق..
ولم يتمكن الاحتلال الايراني لسوريا بدواعي إسلامية شيعية من وقف الهجمة الإسلامية السنية الشرسة على النظام السوري، التي سرقت ثورة الحرية والكرامة بعد انطلاقتها بأشهر قليلة في عام 2011، وتحول الصراع السياسي من أجل التغيير الديمقراطي إلى صراع محاور سني ـ شيعي وصراع على السلطة سني ـ علوي استدعيا الاحتلال التركي، بداية كان بحجة (دعم الثورة ومنع من يسميهم الانفصاليين الكورد من إقامة كيان لهم شمالي سوريا) ولكنه انتهى فعلياً بدعم فصائل سنية مهما اختلفت بالشكل، ومهما اقتربت من أو ابتعدت عن تركيا، فهي في الجوهر تحمل مشروعاً إسلامياً واحداً أساسه إخواني يتماهى مع المشروع التركي، وطبعاً حسب أفهامها للإسلام وطريقتها في اقحامه زورايب السياسة والمصالح الدولية والفئوية.
من هذه الفصائل أو الميليشيات السنية التي تجاوز عددها الثلاثين : السلطان مراد، نورالدين زنكي، الجبهة الإسلامية، النصرة، تحرير الشام، جيش الإسلام، فيلق الرحمن، الحزب الإسلامي التركستاني، جيش العزة .. من خلال هذه الفصائل تزعم تركيا شرعنة احتلالها وأهدافه الاستراتيجية.
لقد تحولت الحرب في سوريا إلى حرب بالوكالة بين ثلاثة احتلالات إقليمية تحمل مشاريع للهيمنة على الشرق الأوسط عبر البوابة السورية : المشروع الصهيوني الإسرائيلي، المشروع الفارسي الإيراني، المشروع الإخواني التركي.
وتأرجحت الدول العربية، التي لا تمتلك أي مشروع، بين هذه المشاريع الثلاثة سراً أو علانية.
ولم يكن الاحتلال الروسي ـ الأمريكي لسوريا سوى بيضة القبان التي توازن الصراع الإقليمي بين خطوط حمراء وخضراء للاحتلالات الإقليمية لمنع أي انهيار دراماتيكي قد يحصل في منطقة الشرق الأوسط يضر بمصالحهما الاستراتيجية.
يعتقد كل من النظام والمعارضة أن الاحتلالين الايراني والتركي يعملان بدون أجرة عندهما. فالنظام يعتبر مجرد بقائه بحماية الاحتلال الايراني هو انتصار له، والمعارضة الإسلامية تعتبر مجرد بقائها بحماية الاحتلال التركي على جزء من سوريا يمنحها فرصة التفاوض مع النظام ومحاصصته السلطة.
وكلا الطرفين شريكان في مفاوضات أستانا التي ترعاها روسيا وإيران وتركيا. وحدها قوى التغيير الديمقراطي مبعثرة ولا تمتلك رؤية موحدة وواضحة لا لمستقبل سوريا ولا لتموضعها في أية تسوية قادمة للمسألة السورية.
إن كل التفاهمات التي توصلت إليها أطراف أستانا فيما يتعلق بمناطق خفض التصعيد، وكذلك تشكيلة الهيئة الدستورية التي تمخض عنها لقاء سوتشي وتفاهمات أستانا، تشي بأن خيار الاستبداد في النظام وفي المعارضة، ينأى بالبلاد عن امكانية الانتقال إلى خيار الديمقراطية، الذي وحده يمكن أن ينقل سوريا نقلة نوعية تقدمية في جميع المناحي، كما أنه وحده الذي يقدر على طي صفحة الماضي، وفتح صفحة جديدة نظيفة من الأحقاد والكراهيات وخالية من الاصطفاف خلف احتلالات خارجية.
إن الديمقراطية ممارسة وخبرة متراكمة، وهي نظام إدارة حياة وحكم ومؤسسات وتنظيمات. أثبتت التجربة الإنسانية عموماً أنها الأفضل في إدارة المجتمعات. ويتطلب الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية من القوى السياسية السورية التي انطبعت بطابعه على مدار عقود من الزمن :
1 ـ التخلي عن أيديولوجياتها المناقضة للديمقراطية والحاضنة الرئيسة للاستبداد. ولا ينطلي على أحد أن بعضها يتخذ بالشكل مبدأ تداول القيادة والسلطة إلا أنه في الجوهر يقاد من قيادات أبوية أو قيادات مرجعية. إن العمل بمنظومات أيديولوجية ماركسية وقومية ودينية دون مستوى طموحات الشباب السوري الذي ثار من أجل الحرية والكرامة اللتين لا تتجسدان إلا بالعمل من خلال منظومات ليبرالية، الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
2 ـ اعتماد الحوار وسيلة وحيدة لإنتاج تسويات وتفاهمات وتحالفات سياسية على قاعدة المساواة وتكافؤ الفرص. وفي الحالة السورية يعتبر الحوار الوطني سيادياً لأن حجم الخلافات بين الأطراف كبير للغاية، كما أنه من غير الممكن أن يقوم بين منتصر ومهزوم، وبالتالي أي حوار وطني بين الخيارات السورية المختلفة يحتاج إلى وسائل اشتراعية وتمويلية وتنظيمية : قانون أو مرسوم، وميزانية، وهيئة مستقلة للحوار تكون على مسافة واحدة من جميع المتحاورين.
3 ـ التوافق على أن الديمقراطية هي أساس أية تسوية سياسية للمسألة السورية. وإن لم يحصل هذا التوافق فأقله يصبح ضرورياً وملحاً تشكيل تيار ديمقراطي وازن يشارك في أية تسوية تفرضها الاحتلالات الخارجية على جميع السوريين من أجل تحسين شروطها ونتائجها.
ومع أن جميع المؤشرات تفضح عجز السوريين عن اجتراح الحلول الوطنية، وتشير إلى عمق ارتباطهم بخوارجهم وانسياقهم لمشيئاتها، إلا أن هذه الاشتراطات لاتزال تشكل خارطة طريق سوريا لتقرير مصير التسوية على أساس الخيار الوطني الديمقراطي، ترسمها حركة سياسية ذات بعد وطني تبدأ من تحرير عقول أولئك الذين يشرعنون الاحتلال، وعقول أولئك الذين لا يجيدون قراءة ديناميات المشهد السوري، من أوهام الانتصار والإقصاء والإلغاء، ولا سيما وأن الاحتلالات، التي تحاجج الأطراف السورية المتصارعة شرعنتها، تمكنت من هزيمة الشعب السوري وكسر إرادته في التغيير والتقدم، كما أطالت عمر المسألة السورية وسدت أية آفاق ممكنة لحلها، لأن أي حل ستنتجه هذه الاحتلالات لن يعرف النور إلا إذا تقاطعت مصالحها بنسبة كبيرة. وهذا لم يعد يرتبط فقط بتفاصيل المسألة السورية إنما أيضاً بتفاصيل مسائل إقليمية ودولية متعددة لا تقل شياطينها عن شياطين المسألة السورية.
*كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى