السلايدر الرئيسي

زيارة بن سلمان إلى واشنطن نوفمبر القادم.. لحظة إعادة ضبط استراتيجية بين الرياض وترامب وسط صفقات كبرى وتحالفات غير معلنة

من سعيد سلامة

لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ تستعد العاصمة الأميركية واشنطن منتصف نوفمبر المقبل لاستقبال زيارة رفيعة المستوى لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، هي الأولى له إلى الولايات المتحدة منذ عام 2018. زيارة تستعيد رمزية سياسية واقتصادية كبرى، وتجري في توقيت حرج إقليميًا ودوليًا، وسط تحولات في المشهد الجيوسياسي، ومعادلات أمنية واقتصادية متغيرة في الخليج والشرق الأوسط.

عودة إلى واشنطن بعد غياب… ومظلة ترامب تهيمن

بحسب مصادر مقربة من الحكومة السعودية تحدثت لوكالة فرانس برس، فإن ولي العهد سيبدأ زيارة تمتد لثلاثة أيام ابتداءً من 17 نوفمبر/تشرين الثاني، ويجتمع خلالها مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في اليوم التالي لوصوله، في لقاء يُرتقب أن يحمل ثقلاً خاصًا في ضوء التقارب الملحوظ بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة.

الزيارة تأتي بعد سنوات من الفتور والتوتر على خلفية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في أواخر 2018، وهي الحادثة التي ألحقت ضررًا كبيرًا بصورة السعودية دوليًا، ودفعت إدارة الرئيس جو بايدن لاحقًا إلى نشر تقرير استخباراتي يرجّح أن ولي العهد كان على علم بعملية الاغتيال، وهو ما نفته الرياض رسميًا. لكن مع عودة ترامب إلى صدارة المشهد، تتجه السعودية إلى إعادة التموضع في ظل إدارة صديقة تعِد بمقاربة أكثر براغماتية في ملفات الأمن والسياسة والاستثمار.

ملفات أمنية واقتصادية… وعقود بمليارات الدولارات

وفق المصدر نفسه، سيناقش الجانبان جملة من الملفات ذات البعد الاستراتيجي، على رأسها:

  • اتفاقية أمنية محتملة بين واشنطن والرياض، مشابهة لتلك التي وُقعت مؤخرًا مع قطر بعد الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قادة من حماس.

  • تعزيز التعاون العسكري والدفاعي، خصوصًا فيما يتعلق بالحصول على تكنولوجيا متقدمة، شبيهة بما تحصل عليه إسرائيل.

  • توقيع صفقات استثمارية ضخمة في مجالات الذكاء الاصطناعي، الطاقة المتجددة، والتعدين، في سياق الرؤية السعودية 2030.

  • بحث آفاق إعادة تطبيع العلاقات السعودية – الإسرائيلية، التي توقفت عقب حرب غزة في أكتوبر 2023.

وكان ترامب قد أجرى جولة خليجية في مايو الماضي، حظي خلالها باستقبال استثنائي في السعودية، حصل فيها على تعهدات استثمارية بمئات المليارات من الدولارات، شملت قطاعات الدفاع، الطاقة، والتكنولوجيا. وفي حين قدّر البيت الأبيض آنذاك الاتفاقيات الموقعة بأكثر من 600 مليار دولار، فإن الزيارة المقبلة قد تُعمّق هذه الشراكة، وتعيد صياغتها في قالب استراتيجي جديد يتجاوز منطق “الصفقات”.

أمن الخليج.. و”ضمانات” ما بعد الحرب

من غير المتوقع أن تكون زيارة ولي العهد السعودي بروتوكولية بحتة. إذ تأتي بعد أيام فقط من دخول وقف إطلاق النار الهش في غزة حيّز التنفيذ، وهو اتفاق توسط فيه ترامب، ورحبت به المملكة باعتباره خطوة في اتجاه التهدئة. وفي هذا السياق، تسعى واشنطن إلى إشراك الرياض في ترتيبات ما بعد الحرب، بما يشمل دورًا في إعادة الإعمار، ودعم قيام سلطة فلسطينية جديدة.

من جهة أخرى، تبدو الولايات المتحدة حريصة على تحصين الخليج ضد النفوذ الإيراني المتصاعد، ومواجهة الحضور الصيني في المنطقة. ولهذا فإن الاتفاقية الأمنية المتوقعة ستكون، في أحد أوجهها، ضمانًا أميركيًا لدور السعودية كحليف رئيسي في مواجهة التحديات الإقليمية.

رهانات واشنطن… وتطلعات الرياض

تحمل السعودية في جعبتها رسالة اقتصادية بالغة الوضوح: نريد استثمارات، نقلًا للتكنولوجيا، وتعاونًا أمنيًا متقدمًا. فالمملكة لم تعد تكتفي بدورها التقليدي كمنتِج نفط عالمي، بل تسعى إلى إعادة تعريف موقعها الجيوسياسي كلاعب إقليمي مركزي، وشريك حيوي في مجالات التكنولوجيا والابتكار، تحت راية “رؤية 2030”.

من ناحيتها، ترى واشنطن أن هذه الشراكة تمنحها نفوذًا نوعيًا في أكثر مناطق العالم حساسية – الخليج، وأسواق الطاقة، والعالم الإسلامي – ما يجعل من الرياض لاعبًا لا غنى عنه في معادلات السياسة الأميركية الخارجية.

الملف الفلسطيني.. اختبار المصداقية

قبل اندلاع حرب غزة، كانت السعودية منخرطة في مفاوضات تطبيع بوساطة أميركية مع إسرائيل، مقابل ضمانات أمنية أميركية، وتقدم في ملف الدولة الفلسطينية. لكن اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 أوقف كل شيء. ومنذ ذلك الحين، تحاول الرياض إعادة التركيز على الثوابت الفلسطينية، بما يشمل دعم قيام دولة فلسطينية، والضغط على إسرائيل من خلال تحركات دبلوماسية متعددة الأطراف.

وقادت السعودية خلال سبتمبر 2025 مؤتمرًا مشتركًا مع فرنسا في الأمم المتحدة، شهد اعتراف عدة دول غربية بدولة فلسطين، ما أعاد التأكيد على أن التطبيع لا يمكن أن يأتي على حساب الحقوق الفلسطينية.

زيارة بمثابة اختبار… وفرصة

في المجمل، تعتبر زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن بمثابة اختبار لمرحلة جديدة من الشراكة بين البلدين. فهي فرصة لتأكيد أن العلاقة تجاوزت إرث “النفط مقابل الأمن”، إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.
السيناريو المثالي هو خروج الزيارة باتفاقيات طويلة الأمد، سياسية واستثمارية، تُرسي توازنًا جديدًا في المنطقة. أما السيناريو الأقل طموحًا، فهو أن تنتهي الزيارة بصفقات معزولة، دون أفق استراتيجي واضح.

ليس مجرد لقاء… بل إعادة تموضع

اللقاء المرتقب بين بن سلمان وترامب لا يُقاس فقط بما يُقال علنًا، بل بما يتم التفاهم عليه خلف الأبواب المغلقة.
إنه موعد مع إعادة تعريف التحالف الأميركي – السعودي في عالم يتغير، حيث السياسة، الاقتصاد، والأمن تتداخل أكثر من أي وقت مضى.
وإذا ما أُديرت الزيارة بحكمة، فقد تُصبح لحظة مفصلية تُعيد رسم توازنات الشرق الأوسط لسنوات قادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى