السلايدر الرئيسيكواليس واسرار

رام الله تُجري تغييرات أمنية ودبلوماسية واسعة في لبنان.. إصلاح إداري أم تصفية لحسابات نجل الرئيس عباس؟

من الياس الياس

بيروت ـ يورابيا ـ من الياس الياس ـ أجرت السلطة الفلسطينية مؤخرًا تغييرات واسعة النطاق في الساحة اللبنانية، شملت مناصب دبلوماسية وأمنية رفيعة، في خطوة وُصفت رسميًا بأنها جزء من عملية “إعادة هيكلة شاملة”. لكن خلف هذا الخطاب التنظيمي، يَظهر مشهد أكثر تعقيدًا، عنوانه الأبرز: صراع نفوذ داخل حركة “فتح”، ومحاولة من مركز السلطة في رام الله لإحكام قبضته على مفاصل القرار في بيروت، وسط اتهامات بالفساد وتصفية حسابات داخلية يقودها نجل الرئيس، ياسر عباس.

فقد أقالت رئاسة السلطة السفير الفلسطيني لدى بيروت أشرف دبور، بعد سنوات قضاها في إدارة واحدة من أكثر السفارات الفلسطينية حساسية على مستوى المنطقة، وعيّنت محمد الأسعد خلفًا له، وهو دبلوماسي لم يكن على تماس مباشر مع ملفات لبنان، لكن علاقته الوثيقة بياسر عباس فتحت له الطريق.

رافق ذلك سلسلة من التعيينات في الأجهزة الأمنية التابعة لفتح في لبنان، شملت إدارات مركزية ومفصلية، من التدريب إلى المالية والعلاقات العامة. تغييرات جاءت تحت لافتة “ضخ دماء جديدة”، لكنها في جوهرها، بحسب مصادر تنظيمية فلسطينية، محاولة لإقصاء مجموعة من القيادات الأمنية التي لم تُظهر ولاءً مطلقًا لياسر عباس، وتحويل الساحة اللبنانية إلى امتداد مباشر لنفوذه داخل الحركة.

على الصعيد الأمني، شملت التعيينات الجديدة مناصب رئيسية في إدارات الأمن الوطني الفلسطيني العاملة في الساحة اللبنانية، أبرزها:

العميد فخر الدين محمد شحادة قاسم: مديرًا لإدارة التدريب.

العميد محمود حسين محسن الحسن: مديرًا لإدارة الأسلحة المركزية.

العقيد محمود عبد الرحمن سالم: مديرًا لإدارة الإمداد والتجهيز واللوازم العامة.

المقدم عبد الهادي يحيى محمود الأسدي: مديرًا لإدارة العلاقات العامة والإعلام.

العقيد أشرف نعيم إبراهيم الحاج: مديرًا لإدارة التنظيم والإدارة.

العميد مروان أحمد مرعي ناصر: مديرًا لإدارة المالية العسكرية.

إلى جانب هذه التعيينات، تم تشكيل لجنة مختصة للإشراف على عملية تسليم واستلام مهام قادة المناطق والإدارات المركزية في قوات الأمن الوطني الفلسطيني في لبنان. وتتألف اللجنة من:

اللواء صبحي أبو عرب (رئيسًا)

العميد ناجح فرحان

العميد رائد داود

العميد إبراهيم سعد الدين

العقيد باسم رشيد

بالتوازي، كُشف عن تشكيل لجنة تحقيق للنظر في ملفات فساد يُتهم بها السفير السابق دبور وعدد من المسؤولين في السفارة وداخل الأمن الوطني، تشمل هدر أموال تابعة لمنظمة التحرير وبيع ممتلكات تاريخية تعود إلى عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات. لكنّ الإعلان المفاجئ عن هذه اللجنة، وتوقيته، أثار كثيرًا من علامات الاستفهام. فملفات الفساد هذه ليست جديدة، بل كانت تُتداول داخل أوساط فلسطينية منذ سنوات، دون أي تحرك رسمي. فهل قررت القيادة في رام الله فجأة فتح الملفات؟ أم أن هذه الخطوة جاءت فقط لتبرير قرارات الإقالة والتعيينات الأخيرة، بعدما انفجر الخلاف الشخصي والسياسي بين دبور وياسر عباس؟

الخلاف بين الرجلين ليس وليد اللحظة. فقد بدأت بوادره قبل أكثر من عام، على خلفية صراع على الصلاحيات والنفوذ في الساحة اللبنانية، وتحوّل لاحقًا إلى أزمة مفتوحة بعد أن أجرى ياسر عباس تحرّكات سياسية مباشرة مع مسؤولين لبنانيين بشأن ملف سلاح المخيمات، دون أي تنسيق مع دبور أو قيادة فتح في لبنان. وهو ما اعتُبر تجاوزًا فاضحًا للبنية التنظيمية، ومحاولة للسيطرة على الملف اللبناني من خارج المؤسسات الرسمية. ذلك التحرّك فجّر خلافًا مكتومًا سرعان ما تُرجم بقرارات الإعفاء والتعيين الأخيرة، ليبدأ فصل جديد من “الحوكمة بالأوامر” بدل التفاهم الوطني.

بعيدًا عن واجهة القرارات، يرى كثير من أبناء المخيمات ومراقبي الشأن الفلسطيني في لبنان أن ما يجري لا يُعدو كونه تقاسم نفوذ داخل العائلة الحاكمة في رام الله، أكثر منه إصلاحًا حقيقيًا للبنية الإدارية والتنظيمية. فالثقة الشعبية المتآكلة في أداء السلطة، والاتهامات المتزايدة بالفساد والولاء الضيق، لا يمكن معالجتها بإقالة موظف وتعيين آخر، ولا بإرسال لجان تحقيق تستثني الجهات السياسية النافذة من المساءلة. بل ما يحتاجه الفلسطينيون في لبنان، قبل أي شيء، هو تمثيل حقيقي يعبّر عنهم، ومؤسسات تعمل لصالحهم لا لمصلحة أبناء الرئيس أو المقربين منه.

وهكذا، تبدو بيروت اليوم مرآة أخرى لأزمة السلطة الفلسطينية نفسها: إدارة تُدار من فوق، تغيب عنها الشفافية، وتُستخدم فيها المؤسسات كأدوات لتصفية الحسابات لا لتحقيق العدالة. وفي هذا المشهد، لا تبدو إعادة الهيكلة سوى عنوانٍ جميل لعملية تفكيك داخلية تسعى فيها “العائلة” لحصر القرار بيدها، ولو على حساب المؤسسات، والمخيمات، وفتح نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى