السلايدر الرئيسي

دعم دولي وعربي وفلسطيني واسع للمبادرة الأمريكية عقب رد حماس الايجابي ومصر تتحرك بين المصالحة والتفاوض حول مستقبل غزة والطريق لوقف النار يمر عبر القاهرة والعريش

من سعيد هنداوي

القاهرة ـ يورابيا ـ من سعيد هنداوي ـ في معركة دبلوماسية مشتعلة على جبهات التفاوض، برز الدور المصري كحلقة وصل مركزية في مساعي إنهاء الحرب على غزة، بعد موافقة حماس المشروطة على مقترح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ما أثار ردود فعل دولية واسعة، وأعاد تحفيز فكرة عقد حوار فلسطيني شامل في القاهرة لبلورة ملامح المرحلة المقبلة في القطاع.

تحوّل مفصلي.. موافقة حماس على مقترحة ترامب وتحفظاتها

أعلنت حركة حماس بأنها سلمت ردها على خطة ترامب للوسطاء، وأبدت قبولها لإطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين الأحياء والأموات، وتصوّر تسليم إدارة القطاع إلى هيئة من التكنوقراط الوطنيين فلسطينيين. ومع ذلك، أكدت على أن أي خطوات بشأن مستقبل غزة—خصوصًا ضمن نقاط مثل نزع السلاح أو الإدارة الإقليمية—ستُناقش داخل الإطار الفلسطيني.
تُقدّر إسرائيل عدد الأسرى الإسرائيليين في غزة بنحو 48 أسيرًا، منهم 20 على قيد الحياة، بينما يقبع في السجون الإسرائيلية أكثر من 11 ألف فلسطيني تحت ظروف إنسانية صعبة. وقد سبق أن أعلن ترامب خطة تتكون من 20 بندًا، تتضمن وقفًا فوريًا لإطلاق النار، الإفراج عن الأسرى، نزع سلاح حماس، وتسليم إداري مؤقت للقطاع.

على الرغم من الدعوة التي وجهها ترامب لإسرائيل بوقف القصف فورًا، وُثّقت استمرار الغارات الإسرائيلية وقتل عشرات الفلسطينيين في مناطق عدة من غزة خلال يوم السبت، مما أثار تساؤلات حول فعالية الدعوة والالتزام بها على الأرض.

ضغوط ترامب ونداء السلام

رد ترامب على موافقة حماس المعدنية بدعوة إسرائيل فورًا إلى إنهاء القصف، معتبراً أن هذا يمهّد لإخراج الرهائن بأمان وسرعة، وأعرب عن اعتقاده بأن حركة حماس باتت تستعد لسلام دائم. في تغريداته، شدّد على أن المسألة ليست غزة وحدها بل “السلام الذي طال انتظاره” في الشرق الأوسط.

إلى ذلك، أبلغ ترامب حماس بمواعيد نهائية لقبول الخطة، ملوّحًا بعواقب قاسية في حال رفضها، في خطوة تعبّر عن ضغط سياسي واستراتيجي يمارَس من جهته على أطراف المفاوضة.

الربح الدبلوماسي.. ردود الفعل الدولية المؤيّدة

على الساحة الأوروبية، شدّدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على أن استعداد حماس للموافقة على إطلاق سراح الأسرى والتفاوض يمثل علامة إيجابية يجب اغتنامها، ودعت إلى وقف فوري لإطلاق النار. في باريس، رحّب الرئيس ماكرون بالفُرص المفتوحة نحو السلام، محملاً جميع الأطراف مسؤولية استثمارها، فيما دعا المستشار الألماني ميرتس إلى تنفيذ سريع للخطة، معتبرًا أن هذه هي أفضل فرصة منذ سنوات لتحقيق السلام.

في لندن، وصف رئيس الوزراء ستارمر قبول حماس بالخطة كخطوة مهمة، مع تأكيد دعم الجهود الأمريكية. أما في أنقرة، فتوجّه أردوغان بنداء صارم لإسرائيل بوقف هجماتها فورًا، معبّرًا عن أمله في ألا تذوب آمال السلام الجديدة. في مدريد ودبلن، ركزت الردود على الدعوة إلى وقف القصف وزيادة المساعدات الفورية.

وعلى نطاق أوسع، رحّبت العديد من الدول—كالهند وكندا وأستراليا—ردّ حماس، معبّرة عن استعدادها للمساهمة في جهود السلام والمساعدة الإنسانية، مع التشديد على وجوب تحويل التعهدات إلى واقع ملموس سريعًا.

فلسطينيًا.. المرحّبون والمتحفّظون

على الساحة الفلسطينية، رحّبت فصائل كبيرة بردّ حماس، معتبرة أنه تعبير مسؤول عن وحدة الموقف الفلسطيني، ودعت إلى عقد مؤتمر وطني شامل يُخرِج رؤية موحدة لإدارة غزة بعد الحرب. أبدى نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ تأييده للمواقف الإيجابية، ودعا لتثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق الأسرى والبدء بالمسار السياسي.

من جهتها، شدّدت الجبهة الشعبية والديمقراطية على أن خطوة حماس تفتح الطريق أمام إنهاء العدوان، لكن تحقيق ذلك مرهون بالتزام إسرائيلي فعلي وتنفيذ ميداني. كما نادى حزب الشعب بأن الموقف يحمل تمييزًا دقيقًا بين وقف القتل وبين خلق الأسس السياسية لبناء مستقبل القطاع.

وفي غزة، رحبت الجهاد الإسلامي بالخطوة، معتبرة أنها بمثابة توحيد لموقف المقاومة، وهو ما قد يسهّل فتح الباب لإطلاق الرهائن المحتجزين لدى الفصائل المختلفة، لكنّ الشارع الفلسطيني عبّر عن حذره—خوفاً من التراجع أو التلاعب من الجانب الإسرائيلي، أو إعادة التصعيد في حال تعطّل التنفيذ.

إسرائيل أمام مفترق.. تفاوض أو استمرار القصف

في تل أبيب، عقد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تقييمًا عاجلاً للوضع، دون حضور وزيري اليمين المتشدد بن غفير وسموتريتش، في إشارة إلى التوترات الداخلية حول خيار القبول بالاتفاق أو مواصلة الحرب. وأعلنت إسرائيل استعدادها لتنفيذ المرحلة الأولى من خطة ترامب، رغم تحفظات على بعض بنودها، كما جرى إعداد قوائم لأسماء الأسرى الفلسطينيين المحتمل إطلاق سراحهم.

في الأثناء، يُنتظر أن يصل المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إلى القاهرة للانخراط في مفاوضات غير مباشرة مع حماس، ربما تجري في العريش، في خطوة ترمي إلى التوفيق بين المواقف الإسرائيلية والفلسطينية، تحت رعاية مصرية. وقد أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن القيادة السياسية أصدرت تعليمات بتقليص النشاط الهجومي في غزة استعدادًا لتنفيذ الاتفاق المحتمل.

لكن المصادر الإسرائيلية ما زالت تتحفّظ على اعتبار ردّ حماس إيجابيًا، مشيرة إلى أن نتنياهو فوجئ بالموقف المعارض لخياراته الداخلية، مما يشير إلى أن أي صفقة ستواجه اختبارًا صعبًا في الأروقة التنفيذية.

القاهرة في الصدارة.. الوساطة.. الحوار.. والمبادرة

وسط هذه التوترات، تتبوأ مصر موقع الصانع الرئيسي في المشهد. فقد أكدت وزارة الخارجية أن القاهرة ستبذل قصارى جهدها بالتنسيق مع الدول العربية والإسلامية والغرب، للعمل على وقف دائم لإطلاق النار، وإزالة المعاناة عن الفلسطينيين، وإطلاق عملية إعادة إعمار القطاع.

وتفيد مصادر مطلعة بأن مصر تعكف على دعوة الفصائل الفلسطينية إلى مؤتمر وطني شامل في القاهرة، يُعنى بمناقشة مستقبل غزة بعد الحرب، بما في ذلك قضايا تبادل الأسرى، والإدارة الانتقالية، والإعمار، والكف عن الانقسام والتشرذم. وتُعدّ مصر الجهة الأقدر من الناحية اللوجستية والدبلوماسية لاستضافة مثل هذا الحوار، بفضل علاقاتها المتوازنة مع الفصائل كافة وموقفها الإقليمي الراسخ.

كما يُتوقع أن تكون القاهرة مركزًا للمفاوضات ـ العلنية والسريةـ بين حماس وإسرائيل، خصوصًا أن المفاوضات ستحتاج إلى أرض محايدة تتمتع بقبول واسع، وقدرة على التوفيق بين الضغوط الإقليمية والدولية وترجمتها إلى اتفاقات قابلة للتطبيق.

لكن الدور المصري ليس خالياً من التوترات؛ فقد وجهت بعض أصابع الاتهام إلى القاهرة بعد توقف جولات سابقة من التفاوض، محذّرة بأنها قد تنسحب من الوساطة إذا وُجهت إليها اتهامات بالتورط أو التثبيط. وقد صرح مسؤولون مصريون بأن التشكيك في جهود الوساطة يضر بمسار العملية برمته، وأن مصر دخلت هذه المرحلة بناءً على طلب مستمر من إسرائيل والولايات المتحدة.

تحديات طريق التنفيذ.. بين الورق وميادين الواقع

رغم الرسائل الإيجابية والتوافق النسبي على الورق، تواجه الاتفاقات المحتملة صعوبات جمة على الأرض:

  • التزام إسرائيل بوقف القصف فورًا، وضمان عدم تجدد العمليات العسكرية؛

  • تنفيذ تبادل الأسرى بعناية وشفافية، دون استخدامه ورقة سياسية؛

  • معالجة بنود نزع السلاح وحصره في إطار التوافق الفلسطيني، بدلًا من فرض خارجي؛

  • بناء آليات مراقبة دولية لضمان تنفيذ الاتفاق دون تلاعب؛

  • ضمان أن المؤتمر الفلسطيني في القاهرة ينجح في توحيد المواقف ويُفضي إلى إدارة مؤقتة مقبولة من الجميع؛

  • صمود الاتفاق في مواجهة الضغوط السياسية الداخلية الإسرائيلية أو الانتكاسات على الأرض؛

  • تحويل التعهدات الدولية إلى دعم ملموس لإعادة الإعمار وضمان استدامة البنية التحتية والمؤسسات المدنية في غزة.

نقطة تحول أم فرصة ضائعة؟

ما بين التهديدات والتفاؤل، ترسم ملامح مشهد جديد في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. موافقة حماس على بنود خطة ترامب، والمساندة الدولية التي تلَتها، أعادَا الزخم إلى طاولة التفاوض. لكن نجاح هذا المسار لن يُقاس بالكلمات وحدها، بل بإرادة التنفيذ على الأرض.

في هذا السياق، تأتي مصر لتؤكد أنها ليست مجرد وسيط، بل لاعب مركزي، بصفتها المنصة والحاضنة لأي توافق فلسطيني يُبنى على التوافق الوطني والمؤسسي. إذا نجح مؤتمر القاهرة في جمع الفصائل، وصاغ رؤية وطنية مشتركة، فإن هذه المحطة قد تُشكّل نقطة تحول حقيقية تبدأ من وقف إطلاق النار إلى بناء مستقبل غزة المستقل.
وإلا فإن الفجوات بين النص والواقع قد تعيد الجميع إلى نقطة البداية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى