داعش” يعين “أبو دجانة” واليًا على حلب ويعيد تنظيم صفوفه في سوريا ويتوعد الشرع
من سعيد سلامة
لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ في تطور ميداني وأمني لافت، أعلن تنظيم “داعش” عن تعيين القيادي السابق في “جبهة النصرة”، المعروف باسم “أبو دجانة الجبوري”، واليًا على محافظة حلب، في خطوة قرأها مراقبون على أنها محاولة لإعادة ترتيب أوراق التنظيم، واستغلال الانقسامات السياسية والتغيرات الإقليمية المتسارعة في سوريا، بعد صعود الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة.
وأبو دجانة، وهو سوري من مدينة حلب، يُعتبر من الأسماء البارزة في الساحة “الجهادية” خلال العقدين الأخيرين. قاتل في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، قبل أن يعود إلى سوريا في 2009، حيث اعتُقل لمدّة عامين في سجن صيدنايا سيئ السمعة. وعقب خروجه، برز كأحد القيادات العسكرية في “جبهة النصرة” قبل انشقاقه عنها عام 2014 وانضمامه إلى تنظيم “داعش”.
ويحمل تعيين “الجبوري” دلالات متعددة؛ إذ يتمتع بمعرفة دقيقة بالهيكل التنظيمي والأمني لـ”هيئة تحرير الشام”، التي تُعد اليوم العمود الفقري للمشهد العسكري في شمال غرب سوريا، وتلعب دورًا حساسًا في المرحلة السياسية الانتقالية، خاصة بعد تصدرها مشهد دعم الرئيس أحمد الشرع داخليًا.
ووفق مصادر أمنية مطلعة فإن الجبوري يمتلك علاقات عشائرية قوية تمتد من ريف حلب الشرقي إلى مناطق في محافظة الأنبار العراقية، ما يمنح تنظيم “داعش” فرصة لاستعادة بعض من نفوذه الاجتماعي، خصوصًا بين العشائر المتذمرة من التقارب الأخير بين دمشق وواشنطن، والذي تُوج بتصريحات “الشرع” حول “فتح باب الحوار مع إسرائيل”.
تعيين الجبوري جاء بالتزامن مع تصعيد عمليات التنظيم في جنوب وشرق سوريا. فقد أعلن التنظيم، عبر منصاته الإعلامية (وخاصة مجلة النبأ)، مسؤوليته عن عمليتين نوعيتين الأسبوع الماضي في بادية السويداء، استهدفت الأولى دورية لقوات الأمن السورية، فيما أصابت الثانية قوات مدعومة من واشنطن تتمركز قرب قاعدة التنف عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن.
ويرى مراقبون إن “داعش يحاول استغلال تراجع الوجود العسكري الأمريكي شرق البلاد، كما يسعى للاستفادة من الانقسام داخل الفصائل المحلية بين الموالين للشرع والمعارضين لسياساته الجديدة”.
وبحسب تقارير لمراكز أبحاث غربية، منها “سوفان غروب”، ارتفع عدد الهجمات التي تبناها التنظيم في سوريا من 5 إلى نحو 14 هجومًا شهريًا منذ أبريل/نيسان الماضي، معظمها نفذتها خلايا صغيرة باستخدام عبوات ناسفة، أو كمائن ضد قوافل عسكرية، لا سيما في مناطق البادية السورية ودير الزور.
وأثار الخطاب الإعلامي الأخير لتنظيم “داعش” جدلًا واسعًا، بعد أن وصف الرئيس أحمد الشرع بـ”المرتد”، على خلفية تصريحاته التي أبدى فيها انفتاحًا على إجراء مفاوضات مع إسرائيل، ودعوته لإعادة تفعيل اتفاق فصل القوات لعام 1974 في الجولان، في سياق رؤية سياسية تهدف إلى “تطبيع استقرار الدولة السورية”، حسب تعبيره في مقابلة مع Jewish Journal.
وردًا على ذلك، نشرت مجلة النبأ الأسبوعية افتتاحية شديدة اللهجة هاجمت فيها “تحالفات الشرع الجديدة”، ووصفت تصريحاته بأنها “خيانة دينية وقومية”، داعيةً أنصار التنظيم في الداخل والخارج إلى التحرك.
ووفق متابعين، فإن عودة داعش للظهور لا تعني استعادة السيطرة الجغرافية، بل تشير إلى تطور جديد يتمثل في تعزيز قدرته على شنّ هجمات نوعية، بعد أن استغل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، لاستعادة أسلحة وذخائر من مخازن عسكرية مهجورة، خصوصًا في ريف حمص وتدمر ودير الزور.
وأكد “المرصد السوري لحقوق الإنسان” في تقرير حديث أن خلايا تابعة للتنظيم نجحت في الاستيلاء على شحنات سلاح كانت مخزنة في مواقع تابعة للفرقة 17، ما ساعدها على تنفيذ عمليات أكثر تطورًا.
وحذّرت تقارير استخباراتية أوروبية، ومنها تقرير صادر عن وكالة الأمن الخارجية الفرنسية (DGSE)، من أن “التنظيم يعيد بناء خلاياه بهدوء في مناطق تشهد فراغًا أمنيًا”، وأنّ عودة “قيادات قديمة” مثل الجبوري تعكس استراتيجية جديدة قوامها الدمج بين الحضور المحلي والانخراط العشائري من جهة، والتحريض الأيديولوجي المكثف من جهة ثانية.
وفي وقت تدفع فيه حكومة الشرع نحو “تحالفات براغماتية” لإعادة إعمار البلاد، تبدو عودة تنظيم “داعش” خطرًا مزدوجًا: أمنيًا وسياسيًا، قد يقوّض جهود الاستقرار، ويعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل تملك الحكومة السورية الجديدة الأدوات الأمنية والسياسية الكافية لاحتواء عودة “داعش”، خاصة في ظل انشغالها بملفات التطبيع الخارجي وإعادة الإعمار؟ وهل يكون استيعاب البنية العشائرية والمصالحة الداخلية كافيًا لسحب البساط من تحت أقدام التنظيم؟
الأسابيع المقبلة قد تحمل الإجابة، في بلد لم يعرف الاستقرار منذ أكثر من 14 عامًا.
