
أن الثامن من كانون الأول لعام 2024 كان تتويجاً لنجاح أعظم ملحمة ثورية في تاريخنا المعاصر كتبت الفصول فيها بدماء مئات الآلاف من الشهداء و المفقودين و المعتقلين و الملايين من المهجرين و بالدمار المريع في مختلف بقاع هذا الوطن ما تعجز مفردات لغات العالم عن وصفه، لم يعرف العالم بعد الحرب العالمية الثانية كوارث بمستوى الكارثة السورية و التي تجاوزت ما فعله هولاكو في بغداد و غيرها.
هذه التراجيديا و التي بدأت فصولها منذ ست عقود خلت و كان الفصل الأول فيها أعقاب انقلاب 8 آذار 1963 و السؤال الأهم لماذا كل هذا الهول الوحشي و الحقد الأسود و الذي تجاوز كل الحدود منذ ذلك التاريخ ضد هذا الشعب و هذا الوطن.
إن السوريين جميعاً يعرفون جيداً و الكثير من العرب حافظ أسد و لكن الأكثر معرفة به هم من عاصروه و كانوا على تماس مباشر به عقب ذلك الإنقلاب المشؤوم حينما رصدوا مواقفه و تحركاته المشبوهة و الزمرة التي كانت تحيط به.
لقد أجزت لنفسي الخوض فيما سبق و بأسلوبي المتواضع كون والدي هو ضابط المخابرات السابق من عام 1963 و لغاية 23شباط 1966 ( يوم الردة ) النقيب مصطفى توفيق الفلاح حيث كان والدي و زملائه في الجهاز المعنيين بمتابعة التحركات المشبوهة لحافظ أسد و زمرته و البالغين ثمان عشر شخصاً و بالرغم من رصد هذه التحركات و وضعها أمام رئيس الجمهورية محمد أمين الحافظ إلاّ أنه لم يستطع فعل أي شيئ و كان تعليله لذلك أن قيادة حزب البعث هي المسؤولة عن اتخاذ القرار بذلك ، و لم يمض سوى عشرة أيام حتى حصلت الردة في 23 شباط 1966 و اقتيد محمد أمين الحافظ إلى سجن المزة العسكري.
أمّا والدي فقد تم عزله من جهاز المخابرات و نقله إلى جبهة الجولان كقائد سرية بالقرب من جسر بنات يعقوب حيث كان أحد الشهود العيان عن الكيفية التي سلّم بها ذلك الوغد الجولان لأبناء جلدته من بني صهيون.
إن حافظ أسد لم يكن في يوم من الأيام خائناً للوطن لأنه أساساً لم يكن و أسرته من هذا الوطن ، فقد كان وفياً كل الوفاء لبني جنسه أعداء الوطن و العروبة و الإسلام و أعداء كل الخير و الفضيلة حيثما وجدت و لذا ليس بالمستغرب أن ذلك المقبور أن يسلم الجولان و أن يرتكب أبشع المجازر في حماة و حلب و أدلب و غيرها و ليس غريباً أيضاً ما فعله فاقد الأهلية و المعتوه الفار على امتداد سنين الثورة من قتل و اعتقال و اغتصاب و تهجير و تدمير و استخدام الأسلحة المحرمة دولياً ضد الشعب ، و قد يتبادر للذهن كيف استطاع حافظ أسد و بالرغم من معرفة الكثير ممن عاصروه أن يصل لسدة الحكم في دمشق و هي قلب النابض للعروبة.
نعم وصل إلى ما وصل إليه ذلك الوغد من خلال الإدارة الخارجية و التي تتحكم بأدق مفاصل و شرايين الحركات السياسية و كيفية صنعها و إدراتها في منطقة الشرق الأوسط و العالم و لأن سوريا بموقعها الجغرافي و أثرها التاريخي و شعبها العظيم فهي درة التاج في هذه المنطقة و لذلك كان حرياً بتلك الإدارة الخارجية أن تضع بكل ما تملك من إمكانيات لكي تصل بحافظ أسد لسدة الحكم في سوريا و حتى تستطيع من خلاله تنفيذ مخططاتها المعادية للعروبة و للإسلام.
إنّ ما تقدم كان دافعاً لوالدي و رفاقه المناضلين و المؤمنين بضرورة التخلص من حافظ أسد و زمرته لتشكيل تنظيم عسكري و مدني قام بمحاولتي انقلاب في عام 1968 و الثانية في عام 1970 لم يكتب لهما النجاح و دفع أولئك المؤمنون المناضلون الثمن بأغلى ما يكون و لم يقتصر الثمن عليهم بل طال أسرهم و عوائلهم و عشائرهم و كانوا بحق كما قال الله سبحانه و تعالى في محكم الـتنزيل ( من المؤمنين رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلاً ).
و لي الشرف أن أذكر البعض من العناصر القيادية و التي كانت على تنسيق مع كل من اللواء فهد الشاعر و أحمد السويداني رحمها الله :
1.الضابط و القاضي محمود فياض الحاج علي رحمه الله
2.٢. الضابط جلال مرهج رحمه الله
3.الضابط حسين زيدان رحمه الله
4.المحامي يوسف الناصر العودات رحمه الله
5.السيد منصور سلطان باشا الأطرش رحمه الله
6.الأديب و الشاعر زاهي القايد
7.الضابط علي الضماد أطال الله بعمره
8.الضابط لويس ورده رحمه الله
9.الضابط مأمون رمضان رحمه الله
10.الضابط محمد الزعبي رحمه الله شقيق رئيس الوزراء السابق محمود الزعبي
11.الضابط محمود توفيق الفلاح رحمه الله شقيق والدي
12.الضابط منوّخ الغزالي رحمه الله
13.الضابط ذياب شتيوي رحمه الله و هناك الكثير من أولئك الضباط و المدنيين الذين ضحوا بأنفسهم و كان لهم شرف الأقدام و الفعل . حينما أسلط الضوء على والدي و رفاقه يجب أن لا أنسى و بكل فخر و اعتزاز و إجلال لكل رجالات الفكر و الثقافة و القانون و مختلف الحركات الوطنية التي تعاقبت على سجون ذلك الطاغية. إذاً فنجاح الملحمة الثورية الوطنية السورية العظيمة في صبيحة الثامن من كانون الأول عام ٢٠٢٤ المباركة هو بحق و لبس فيه نتاج لملاحم الفصول النضالية الخالدة لذلك الشعب العظيم و التي ساهمت الطليعة الثورية و على اختلاف انتمائتها الوطنية و على امتداد العقود الست المساهمة الفعالة في صنعه و تحقيقه و بإذن الله إرسائه منطلقين من هدف واحد و قاسم مشترك يلتقي فيه الجميع في أن يعاد لدمشق نبض قلبها لتعود قلب العروبة النابض تاريخياً و جغرافياً و هذا لن يكون إلاّ بمارسة الدور الإيجابي البعيد عن الأنانية و عن الإقصاء و الذي لا يمكن لأي وطني القبول به أو التغاضي عنه إذا أردنا العبور لشاطئ ما نرجوه و ما نتمناه مستحضرين أن دمشق عندما تكون بخير فالأمة كلها بخير و هذه حقيقة تاريخية و سياسية يدركها أعدائنا جيداً قبل غيرهم . أتمنى و راجياً من القيادة الجديدة إذا كانت هذه الرؤية الشائعة أن من يحرر يقرر فهو غلط استراتيجي لا يخدم أي مسار وطني و كلنا ثقة بحكمة الجميع و بحرصهم الذي لايشك به.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما نشر عن المناضل والسجين السياسي لمدة ثمانية وعشرون عاما ونيف الضابط مصطفى توفيق الفلاح هو شيء لا يذكر من حياته النضالية وهو بمثابة نقطة من بحر