السلايدر الرئيسيكواليس واسرار

توتر متصاعد في علاقات الجزائر مع الإمارات ودول الساحل… وزيارة شخبوط وحفتر تزيد التوجسات الجيوسياسية

من سعيد وهراني

الجزائر ـ يورابيا ـ من سعيد وهراني ـ شهدت العلاقات الجزائرية مع كل من الإمارات العربية المتحدة وعدد من دول منطقة الساحل الأفريقي تحولات دراماتيكية في السنوات الأخيرة، تجاوزت الإطار الدبلوماسي التقليدي لتبلغ مستويات غير مسبوقة من التوتر، في ظل تصاعد الخلافات السياسية، وتباين المواقف الاستراتيجية، وانخراط أطراف إقليمية ودولية جديدة في المعادلة الجيوسياسية للمنطقة.

الإمارات والجزائر: من التقارب الذهبي إلى الاتهامات العلنية

العلاقة بين الجزائر وأبو ظبي كانت في وقت سابق تُوصف بـ”الاستراتيجية”، خاصة خلال فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، الذي أمضى جزءاً من حياته في الإمارات، وحافظ على علاقات وثيقة مع القيادة الإماراتية. كما كان رئيس الأركان الراحل أحمد قايد صالح يحرص على زيارة معرض الدفاع الدولي “آيدكس” في أبو ظبي سنوياً، ما يعكس متانة الروابط العسكرية والاقتصادية آنذاك.

لكن هذا المشهد بدأ في التبدل تدريجياً عقب استقالة بوتفليقة عام 2019، وظهور جيل جديد من النخبة السياسية والعسكرية الجزائرية، تبنّى مقاربة أكثر استقلالية في السياسات الخارجية، لا سيما تجاه دول الخليج.

هذا التحول تجلّى بشكل واضح منذ عام 2020، حين بدأت الجزائر بمراجعة عدد من الاتفاقيات الاقتصادية مع الإمارات، بما في ذلك تجميد مشاريع شراكة مع شركة “موانئ دبي العالمية” لتسيير مرافئ استراتيجية جزائرية، وسط حديث عن رغبة جزائرية في تقليص النفوذ الاقتصادي الإماراتي في البنى التحتية الوطنية.

تصريحات مثيرة للجدل تفجّر أزمة دبلوماسية

التوتر بلغ ذروته مؤخرًا بعد تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث، عبر قناة “سكاي نيوز عربية” (التي تبث من أبو ظبي)، حين وصف اللغة الأمازيغية بأنها “مشروع أيديولوجي صهيوني”. هذا التصريح، الذي وُصف بالاستفزازي، فجّر موجة من الغضب في الجزائر، لاسيما وأنه صدر من منبر إعلامي إماراتي.

الرد الجزائري الرسمي جاء غير مسبوق في حدّته؛ إذ اتهم التلفزيون العمومي الجزائري الإمارات بـ”الاعتداء على السيادة الجزائرية”، وذهب إلى حد وصفها بـ”الدويلة المصطنعة”، ما كشف عمق الفجوة السياسية بين البلدين، والتي لم تنجح لقاءات القمة – مثل لقاء الرئيس عبد المجيد تبون ونظيره الإماراتي محمد بن زايد على هامش قمة مجموعة السبع عام 2021 – في احتوائها.

ملف الصحراء الغربية والتطبيع: نقاط خلاف مفصلية

تُضاف إلى هذه التوترات الثقافية والإعلامية، خلافات عميقة في المواقف الإقليمية، أبرزها:

  • موقف الإمارات من ملف الصحراء الغربية، حيث تدعم ابوظبي الرباط وتفتح قنصلية في العيون، ما تعتبره الجزائر موقفاً منحازاً يهدد الأمن الإقليمي.

  • الموقف من تطبيع العلاقات مع إسرائيل، حيث انضمت الإمارات إلى “اتفاقيات إبراهام”، في حين ترفض الجزائر بشدة أي تقارب مع تل أبيب، وتتمسك بموقف داعم للقضية الفلسطينية.

  أزمة متصاعدة بين الجزائر ودول الساحل وزيارة شخبوط

على صعيد آخر، تواجه الجزائر تدهورًا غير مسبوق في علاقاتها مع مالي، النيجر، وبوركينا فاسو، وهي الدول التي شكّلت في الآونة الأخيرة تحالفًا إقليميًا جديدًا أُطلق عليه اسم “كونفيدرالية الساحل”، في تحوّل يُنظر إليه كمحاولة لتقليص نفوذ الجزائر في منطقة ظلت لعقود ضمن مجالها الحيوي الأمني.

وزير الدولة بوزارة الخارجية الإماراتية الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان جولة إفريقية قادته إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التقى خلالها قادة الدول الثلاث وعددا من المسؤولين الرسميين.

وفي أولى محطات الجولة التي بدأت من مالي، بحث الوزير الإماراتي مع الرئيس الانتقالي المالي الجنرال عاصيمي غويت ملف الأمن، لا سيما بروتوكول الدفاع الموقع بين البلدين عام 2019.

كما تم كذلك بحث التعاون في مجالات الطاقة الشمسية، والزراعة والصحة، وأكد الطرفان التزام بلديهما المشترك بشأن “مكافحة الإرهاب”.

وفي بوركينا فاسو، بحث المسؤول الإماراتي مع الرئيس الانتقالي النقيب إبراهيم تراوري “سبل تنشيط التعاون الثنائي” الذي وصفه الطرفان بأنه “طويل الأمد ونموذجي”، دون الإعلان عن مشاريع جديدة.

واختتم شخبوط جولته من النيجر، حيث أكد لدى استقباله من طرف رئيسها الانتقالي الجنرال عبد الرحمن تياني، رغبة أبوظبي في تعزيز التعاون مع نيامي.

واخر فصول التوتر بين الجزائر ومالي تحديداً برزت يوم 31 مارس/آذار 2025، عندما أعلن الجيش الجزائري إسقاط طائرة مسيّرة قال إنها اخترقت المجال الجوي الجزائري، وهو ما نفته باماكو، بل وذهبت إلى اتهام الجزائر بـ”رعاية وتصدير الإرهاب”، في تصعيد لافت وغير مألوف.

الرد الجزائري جاء سريعاً، عبر سلسلة خطوات تصعيدية:

  • استدعاء السفراء من مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

  • تأجيل تعيين السفير الجزائري في واغادوغو.

  • اتخاذ تدابير دبلوماسية أخرى عكست عمق الخلافات السياسية والأمنية.

اتفاق الجزائر للسلام على المحك

ومن أبرز محطات التأزم بين الجزائر ومالي كان إعلان باماكو إلغاء اتفاق الجزائر للسلام الموقّع عام 2015، والذي رعته الجزائر بين الحكومة المالية والحركات الأزوادية في شمال البلاد.

الاتفاق لطالما اعتُبر حجر الأساس في الحفاظ على استقرار الشمال المالي، وبالتالي فإن الانسحاب منه يمثل ضربة موجعة للدور الإقليمي الجزائري، ويُعيد فتح جبهة محتملة على طول حدودها الجنوبية الممتدة لأكثر من 1400 كيلومتر.

“مبادرة الأطلس” ومحاولات إقليمية لتهميش الجزائر

في هذا السياق، انخرطت النيجر ومالي وبوركينا فاسو في “مبادرة الأطلس”، التي أطلقتها المغرب بهدف تمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي، عبر بوابات مغربية، في مشروع ينظر إليه في الجزائر باعتباره محاولة مغربية ـ إماراتية لإقصاء الجزائر من المعادلة الجيوسياسية المقبلة في غرب إفريقيا.

النفوذ الروسي… مصدر قلق إضافي

ويزداد المشهد تعقيداً مع تصاعد نفوذ روسيا في منطقة الساحل، عبر قوات Africa Corps (البديل الجديد لمجموعة “فاغنر”)، التي أصبحت شريكًا عسكريًا رئيسيًا للحكومات العسكرية في مالي والنيجر.

الجزائر، التي لطالما احتفظت بنفوذ عسكري واستخباراتي تقليدي في المنطقة، تنظر بقلق إلى هذا التوسع الروسي، رغم تحالفها التاريخي مع موسكو، خوفاً من فقدان النفوذ على خاصرتها الجنوبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى