صحيفة “الغارديان”: تزايد نهب الآثار السورية وبيعها على فيسبوك بعد سقوط الأسد وفي ظل النظام الجديد
من سعيد ادلبي

دمشق ـ يورابيا ـ من سعيد ادلبي ـ شهدت سوريا منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في ديسمبر 2011 وفي ظل النظام الجديد موجة متصاعدة من نهب الآثار، باتت تهدد بشكل خطير تراث البلاد الثقافي والحضاري.
وأكدت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن انهيار الأجهزة الأمنية التي كانت تفرض سيطرة صارمة على المواقع الأثرية، إضافة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفقر، قد أطلق موجة من التنقيب غير القانوني والسريع بحثاً عن القطع الأثرية التي تُباع بأسعار مرتفعة في الأسواق السوداء المحلية والدولية.
وقالت الصحيفة إن اللصوص يهاجمون مواقع أثرية في ساعات الليل، مسلحين بالفؤوس والمجارف والمطارق، ليقوموا بنبش قبور عمرها آلاف السنين في مدينة تدمر القديمة، وهي إحدى أبرز المدن التاريخية السورية التي يعود تأسيسها للقرن الثالث قبل الميلاد. وأضافت “الغارديان” أن الآثار التي يُنتشل معظمها هي قطع أثرية وذهب جنائزي يُباع لاحقاً بمبالغ كبيرة في الأسواق غير الرسمية.
ونقلت الصحيفة عن محمد الفارس، ناشط في منظمة “التراث من أجل السلام” وأحد سكان تدمر، قوله: “هذه الطبقات الأثرية المتعددة مهمة للغاية، وعندما يُخلط التراب والقطع معاً بفعل عمليات النهب العشوائية، يصبح من المستحيل على علماء الآثار إعادة تركيب تاريخ الموقع وفهمه بشكل صحيح”.
وأشارت “الغارديان” إلى أن تدمير مدينة تدمر خلال فترة سيطرة تنظيم داعش بين 2014 و2017، حيث فجّر مسلحون أجزاءً من الموقع عام 2015، أدى إلى تفاقم الأضرار التي لحقت بالموقع، إلا أن عمليات النهب ما تزال مستمرة حتى بعد عودة السيطرة للحكومة السورية.
وقالت الصحيفة إن تدمر ليست الحالة الوحيدة، بل إن نهب الآثار السورية بات ظاهرة واسعة الانتشار في أنحاء البلاد. وأكد مشروع أبحاث الاتجار بالآثار والأنثروبولوجيا التراثية “ATHAR”، الذي يراقب السوق السوداء للقطع الأثرية على الإنترنت، أن نحو ثلث حالات نهب الآثار في سوريا التي وثقها منذ 2012، حدثت خلال فترة قصيرة بعد سقوط النظام في ديسمبر من العام نفسه.
ونقلت “الغارديان” عن عمرو العظم، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة شوني ستيت في أوهايو، ومدير مشارك لمشروع “آثار”، قوله: “بعد سقوط نظام الأسد، شهدنا انهياراً تاماً لأي قيود كانت موجودة على عمليات النهب، مما أتاح فرصاً غير مسبوقة للصوص لنهب المواقع الأثرية بشكل عشوائي”.
وأوضحت الصحيفة أن انهيار أجهزة الأمن السورية التي كانت تُرهب السكان وتمنع عمليات التنقيب غير القانوني، إلى جانب تفاقم الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفقر، دفع الكثيرين للانخراط في عمليات التنقيب غير المشروعة، وسط سوق مزدهرة لقطع أثرية فريدة من نوعها. تقع سوريا في قلب الهلال الخصيب، مهد الحضارات الأولى في التاريخ، وتحتوي على فسيفساء وتماثيل ومنحوتات يُباع بعضها بأسعار مرتفعة في الأسواق الغربية، مما يزيد من جاذبية عمليات التهريب.
وأضافت “الغارديان” أن فيسبوك أصبح منصة رئيسية لبيع هذه القطع المسروقة، على الرغم من الحظر الذي أعلنه عام 2020 على تجارة الآثار، إلا أن تطبيقه ظل ضعيفاً، مما سمح باستمرار عمليات البيع والترويج عبر مجموعات عامة وخاصة تضم مئات الآلاف من الأعضاء.
ونقلت الصحيفة عن كاتي بول، المديرة المشاركة لمشروع ATHAR ومديرة مشروع الشفافية التكنولوجية، قولها: “شهدنا في الأشهر الأخيرة أكبر موجة على الإطلاق من الاتجار بالآثار على الإنترنت، لم نشهدها من قبل في أي نزاع آخر”. وأوضحت أن فترة بيع القطع الأثرية تسارعت بشكل كبير، فمثلاً بيع فسيفساء كان يستغرق سابقاً سنة، أما الآن فتتم خلال أسابيع قليلة.
وأشارت “الغارديان” إلى أن الشبكات الإجرامية تستخدم معدات ثقيلة للنهب في مواقع أثرية مثل تل الشيخ علي في محافظة سلمية، وسط سوريا، حيث تُحفَر حفر بعمق خمسة أمتار، فيما يخشى الباحثون المحليون التعرض للانتقام إذا حاولوا الاقتراب.
وقالت الصحيفة إن القطع المنهوبة تُهرب إلى الأردن وتركيا المجاورتين، حيث تُغسل عبر وثائق مزورة قبل أن تُباع في المزادات العالمية والمتاحف في الغرب، لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا.
وأكدت “الغارديان” أن نسبة كبيرة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، ما يجعل مكافحة النهب مهمة معقدة، مشددة على أن الحل الأساسي يكمن في خفض الطلب على هذه القطع في الأسواق الغربية.
وفي الختام، نقلت الصحيفة عن سكان تدمر، من بينهم محمد الفارس، أنهم لا يزالون يقفون حراساً على المواقع الأثرية، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من تراث مدينتهم العريقة بعد 15 عاماً من الحرب والدمار، مؤكدين أن النهب المتواصل يشكل تحدياً كبيراً يهدد هويتهم التاريخية.