صحف

هآرتس: تبنّي العصابات في غزة يمكن أن يولّد حرباً أهلية دامية برعاية إسرائيل

بقلم تسفي برئيل

“قمنا بتفعيل عشائر معارِضة لـ”حماس”. ما السيئ في ذلك؟ هذا  أمر جيد،” هذا كان ردّ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على ما نُشر في الإعلام، وبحسبه، فإن إسرائيل سلّحت العصابة الإجرامية التي يتزعمها تاجر المخدرات ياسر أبو الشباب. وإقدام نتنياهو على الخلط ما بين العشائر والعصابات ليس اعتباطياً. فمصطلح “عشائر” يضيف نوعاً من أنواع الاحترام الذي يبدو كأنه تعاوُن بين إسرائيل وزعماء الجمهور الفلسطيني في غزة ضد “حماس”. وبعد ذلك، ستصبح الطريق قصيرة إلى أن يتم طرح هذه الخطة كجزء من خطة منظّمة لليوم التالي، وفي إطارها، سيتولى حُكم محلي فلسطيني السلطة، لن يكون فيه تمثيل لـ “حماس”، بل لن يكون فيه أيضاً تمثيل للسلطة الفلسطينية التي تعاملت معها إسرائيل على أنها داعمة لـ”الإرهاب” – إن لم يكن تنظيماً “إرهابياً” كاملاً.

إلّا إن عصابة أبو الشباب ليست “عشيرة”، ولا تمثل الجمهور الفلسطيني. وفي هذا السياق، من المهم أن نذكر أنه خلال آذار/مارس 2024، نشر “ائتلاف العائلات والعشائر في المناطق الجنوبية في غزة” بياناً واضحاً وحاداً، أوضح فيه التالي: نحن على استعداد للجلوس مع المؤسسات الدولية غير المرتبطة بالفصائل الفلسطينية، ومع تلك المؤسسات التي لديها غطاء فلسطيني من منظمة التحرير الفلسطينية- الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني… هناك تواصُل ما بين الاحتلال وعدد من الأشخاص من أبناء العشائر هاتفياً، وتم رفض توجُّهاته. ونحن نوجّه الشكر إلى عائلات النجار والمدهون والشوا والعرا والأسطل وحلس، الذين تبنّوا موقفاً واضحاً، مفاده  أن منظمة التحرير هي الممثل الحصري للشعب الفلسطيني، وأن غزة هي جزء لا يتجزأ من فلسطين.”

وبدلاً من “المخاتير” الذين يقومون بدورهم في إحياء “روابط القرى”، باشرت إسرائيل بتسليح أبو الشباب الذي أطلق على عصابته إسم “جهاز محاربة الإرهاب”. وبذلك، تحوّل مَن كان يسرق المساعدات الإنسانية إلى مسؤول عن تأمين المساعدات، بدعم من إسرائيل. وفعلاً، مثلما قال نتنياهو “ما السيئ في ذلك؟”

إن استغلال العصابات الإجرامية المحلية من أجل إدارة المناطق المحتلة ليس اختراعاً إسرائيلياً. فالولايات المتحدة سلّحت قوات قبلية محلية في أفغانستان والعراق؛ أيضاً الإمارات استخدمت مرتزقة من كولومبيا في الحرب في اليمن، وبشار الأسد أسّس جيشاً كاملاً من العصابات “قوات الشبيحة”… وإيران تموّل ميليشيات شيعية في العراق… أمّا تركيا، فأرسلت ميليشيات سورية موّلتها للمشاركة في الحرب في ليبيا، ولا تزال تستند إلى الميليشيات الخاصة بها من أجل السيطرة على المناطق الكردية التي احتلتها في الشمال السوري.

إن الميليشيات المكونة من مرتزقة، ليست جزءاً من النسيج السياسي والاجتماعي في الدول التي يتم إرسالها للقتال فيها، وعادةً ما تنهي عملها بقرار من الدولة التي تفعّلها؛ أمّا الميليشيات المحلية التي تعمل في سورية والعراق وغزة، فتتحول بشكل عام إلى “جيش موازٍ” يقيم دولة في داخل الدولة. وعادةً ما تكون النتيجة عبارة عن اقتتال داخلي ما بينه وبين مؤسسات الدولة الرسمية، تتحول إلى حرب أهلية دامية ضد هذه الميليشيات التي تتحول، بدورها، إلى قوة سياسية كبيرة جداً تعمل لمصالح اقتصادية وسياسية خاصة بها – على حساب البنى المؤسساتية للدولة، وأحياناً، يتم هدمها كلياً. هكذا، تجد الحكومات، مثلاً، في العراق وسورية، نفسها في حرب مستمرة ضد هذه الميليشيات المحلية التي تملك كثيراً من السلاح، وتسيطر على محافظات في الدولة، وتهدد المواطنين والحكومة. سابقاً، تعاونت هذه الميليشيات أيضاً مع قوات وطنية، حتى إنها تعاونت مع الولايات المتحدة ضد “داعش”، وتم التعامل معها على أنها قوة شرعية ضرورية، لكنها بمرور الوقت، تحولت إلى تهديد يتخطى حدود الدولة الأم، ويهدد المنطقة.

إسرائيل أيضاً ترى في العصابات، مثل عصابة أبو الشباب، “قوة عسكرية مساعِدة”، ستساعدها على الدفاع عن المساعدات الإنسانية وتحرّر الجيش من عبء الأمن، ويمكن أيضاً أن تهتم بإدارة المساعدات لاحقاً، حتى إنها يمكن أن تساعد على إقامة منظومة حُكم محلية في القطاع. لكن عملياً، إسرائيل تفتح الطريق لتطورات خطِرة شبيهة بما حدث في العراق وسورية ولبنان ودول أُخرى.

تفترض إسرائيل أن الميليشيات المسلحة ستبقى تحت سيطرتها، فهي التي تسلّحها وتمنحها مصادر دخل، حتى إنها تموّلها بشكل مباشر، وبذلك تخلق حالة من التبعية لها، تضمن الانصياع الكامل من دون شرط. لكن التجربة المُرة في غزة- وليس فقط في غزة- تشير إلى أن هذه الميليشيات لديها ديناميتها الخاصة، بحيث لا يكون الانصياع جزءاً منها.

على سبيل المثال، هذا ما جرى مع اللجان الشعبية التي شُكّلت في غزة بعد الانتفاضة الثانية، ولاحقاً، بدّلت ولاءها بين السلطة و”حماس” والجهاد الإسلامي. وهو أيضاً ما جرى مع العائلات الكبيرة التي حاولت الحفاظ على علاقات مع الفصائل جميعاً وتعيين ممثل لها في كلّ فصيل. نجحت “حماس” في كسر معارضة كلّ المؤسسات الصغيرة، أحياناً بالقوة، وأحياناً أُخرى عبر الدمج، وفي الأساس، أحبطت بالقوة عمل ممثلي السلطة الفلسطينية. ولأنها القوة العسكرية المهيمِنة على القطاع، اقتصادياً وسياسياً، وسابقاً، حصلت على دعم من إسرائيل، استطاعت أيضاً أن تتعاون مع جهات مدنية كانت معارِضة لها أيديولوجياً، لكنها أصبحت تابعة للحركة، اقتصادياً وتجارياً. الآن، على ما يبدو، حصلت هذه الجهات على فرصة لكي تحلّ محل “حماس”، أو على الأقل، تنافسها في المجالات التي خسرتها، سياسياً وعسكرياً.

يمكن في هذه المنافسة أن يجد “العميل الإسرائيلي” أبو الشباب نفسه، حسبما يُسمى في شبكات التواصل الاجتماعي، في مواجهة عصابات أُخرى ومنظمات، وأيضاً اللجان الشعبية وعائلات كبيرة وصغيرة، و”حماس” طبعاً. بشكل عام، هذه هي المرحلة التي يمكن أن تتطور فيها حرب أهلية دامية لن تكون ضحيتها أكياس الطحين والزيت، إنما المدنيين الأبرياء، والمسؤولية ستقع على إسرائيل في نهاية المطاف.

من غير الواضح ما هو عدد الناشطين الذين نجح أبو الشباب في تجنيدهم. وتتراوح التقديرات ما بين مئة و300 ناشط، وفي جميع الأحوال، هذا العدد قليل جداً، مقارنةً بـ”حماس” والجهاد الإسلامي، وغيرهما من التنظيمات. هذه الأزمة العددية يمكن أن تدفع أبو الشباب إلى بناء تحالفات مع تنظيمات مسلحة أُخرى، ولا يوجد أيّ ضمان أنه لن يحاول ضمّ ناشطين من “حماس” والجهاد الإسلامي إليه. هذا فضلاً عن أنه يمكن أن يحاول بناء شرعية لا يمكن فصلها عن البعد السياسي- الأيديولوجي، إذ سيتوجب على رئيس العصابة أن يتبنى فكرة وطنية معينة، وأن يزيح عنه صورة العميل، ويبدّل الولاء، وفي نهاية المطاف، يوجّه السلاح الذي حصل عليه من إسرائيل في اتجاه  إسرائيل نفسها. على ما يبدو، تحلم  إسرائيل بإعادة إحياء “جيش لبنان الجنوبي”، ويبدو كأنها نسيت أنه في موازاة ذلك، نشأ حزب الله أيضاً.

هآرتس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى