باز بكاري
أتذكر حادثة لأبي ورفاقه في الحزب، لطالما رووها لنا، عن العم عمر حمدوك الشخصية السياسية الكردية المعروفة في مدينة عامودا بريف الحسكة، ففي إحدى المرات التي قررت أحزاب الحركة السياسية الكردية في سوريا، خوض الانتخابات البرلمانية في البلاد، رغم معرفتهم بأن النظام السوري سيزور النتائج لصالحه، لكن الأحزاب الكردية المحظورة في سوريا حينها، كانت تقدم مرشحيها على أنهم مستقلون ليثبتوا للنظام السوري أنهم رغم القمع مستمرون في نظالهم السلمي، المعارض لسياسته سواء على الصعيد الوطني السوري عموماً، أو تلك التي تستهدف الكرد خصوصاً.
الحادثة حسب ما حفظتها عن أبي ورفاقه، أن الحزب قرر أن يكون العم عمر ضمن الأسماء التي سترشحها الحركة الكردية، وهو شخصية محبوبة في الوسط السياسي بالمجمل وفي مدينة عامودا، حيث ينتمي ويعيش على وجه الخصوص، وبناء على ذلك ذهب العم عمر إلى المركز المخصص لتقديم أوراق الترشح، وكان يلبس سترته الطويلة “مانطو” كعادته، وهو القليل الاهتمام بمظهره الخارجي، فقال المسؤول عن استلام طلبات الترشح ساخراً “هلا هيك أشكال بدها تصير بمجلس الشعب؟” فما كان من العم عمر المعروف بسرعة بديهته أن رد عليه وقال “والله ياسيدي هيك مجلس بدو هيك أشكال”.
مناسبة الحديث، هو البيان الذي أصدره جناح جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، والذي دعوا فيه بشكل علني الرئيس التركي للتحرك واحتلال كامل الشريط الحدودي في سوريا، بحجة نجدة السوريين، وذلك تحت مسمى المنطقة الآمنة التي يتم الحديث عنها كحل لقضية مستقبل مناطق شرق الفرات التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، بعد القرار الأمريكي بالانسحاب العسكري من سوريا.
بالعودة لتاريخ تنظيم جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها على يد حسن البنا ورفاقه، نجد أن التنظيم دخل في تحالفات ومخططات كثيرة بهدف الوصول للسطة وتطبيق نظريته للحكم، حتى تلك التحالفات التي كانت مع من جاهرت بعدائهم، لكن لم يصل بهم الأمر للحضيض التي وصل إليه جناح التنظيم السوري، خاصة بعد اندلاع الثورة السورية، وارتهانها للسياسة التركية وحزبها الحاكم العدالة والتنمية، فالتشعب في الوضع السوري، قد يبرر لأي فصيل أو تيار سياسي بناء تحالفات مع الطرف الأقرب له، لكن ما يفعله الإخوان المسلمون السوريون تعدى مسألة التحالفات، ولم تعد ترتق لمستوى أداة حتى.
باتت الجماعة السورية من تنظيم الأخوان يتبنى سياسة العدالة والتنمية حتى في مراوغاتها السياسية الداخلية، أي أنها أضحت تتدخل وتتملق للرئيس التركي أو “السلطان الطيب” كما يشتهي أتباع الجماعة، في أمور لا يفهون في تفاصيلها شيء، خاصة قضية الصراع الكردي-التركي القائم أساساً على صراع قومي حول حقوق شعب حاولت تركيا القومية سابقاً وتركيا القومية راهناً طمسها.
بيان الإخوان المسلمين المتملق جداً، جاء في وقت تداول فيه السوريون صور رئيس النظام السوري بشار الأسد المهينة، سواء تلك التي سربتها قناة روسيا اليوم عن زيارة سابقة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى سوريا، والمعاملة المذلة التي عومل بها الأسد من الضباط المرافقين لبوتين، أو تلك التي نشرت عقب زيارة بشار الأسد “الزائر غير المدعو” كما ارتأت أحدى الصحف الإيرانية وصفه، فالأسد ظهر في لقاءاته مع القادة الإيرانيين عارياً من أي شيء يشي بأنه رئيس دولة يزور دولة أخرى، بل ظهر وكأنه طفل يزور بيت جده ليأخذ منه الرضى وبعض الهبات، فظهر في صورة وهو يتوسط المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي والقائد العسكري قاسم سليماني، وكأنه ضمن الوفد المرافق لقاسم سليماني، وحتى أن الإيرانيين استكثروا عليه وضع العلم الذي يعلنه علم الدولة التي يحكمها.
إنها خيبة السوريين، أن يكون من استولى على رئاسة دولتهم شيء اسمه بشار، وأن يكون من استولى على معارضة بلادهم شيء آخر شبيه بالأول اسمه الإخوان المسلمون.
من النافل، أنها ليست هذه سوريا التي يتمناها السوريون، وهي ليست كذلك في حقيقة الأمر، فسوريا ليست سوريا الأسد، وليست ايضاً سوريا الإخوان، لكن إن كانت هذه إحدى سخريات القدر، فالأنسب أن يقابل بشار كرئيس، بالإخوان كمعارضين.