انتعاش الرسائل الإيرانيّة والعربيّة والغربيّة المتبادَلة على خطّ بيروت… والمصلحة اللبنانيّة العليا أوّلًا
جمال دملج
يورابيا ـ بيروت ـ من جمال دملج ـ بصرف النظر عن تبايُن المواقف والتقديرات في أوساط الأفرقاء اللبنانيّين حيال توقيت وطبيعة زيارة وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمد جواد ظريف للبنان، سواءٌ من حيث دلالات قيامه باختيار سفارة بلاده بيروت على وجه الخصوص لحضور الاحتفالات في مناسبة الذكرى السنويّة الأربعين لانتصار الثورة الإسلاميّة على نظام الشاه محمد رضا بهلوي، أم من حيث رمزيّة ما حمَله في جعبته من عروضٍ بشأن استعداد طهران لتقديم المساعدة والدعم في المجالات ذات الصلة بملفّات الاقتصاد والكهرباء والنفط وتسليح الجيش وغيرها من الأمور التقنيّة الأخرى، فإنّ أكثر ما بدا لافتًا في موازاة هذا التبايُن هو أنّ مواقف وتقديرات لبنان الرسميّ، متمثِّلًا بمقامات كلٍّ من رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ووزير الخارجيّة جبران باسيل، بقيَت متماسِكةً وموحَّدةً ومتَّزنةً وغيرَ محكومةٍ بآليّات التجاذبات الحزبيّة الداخليّة التي غالبًا ما درجت العادة على أن يشهدها اللبنانيّون مرارًا في عهودٍ رئاسيّةٍ سابقةٍ، الأمر الذي إنْ دلّ في الوقت الراهن إلى شيءٍ، فهو يدلُّ إلى حالةٍ صحّيّةٍ تكاد تبشِّر يقينًا بأنّ لبنان أوشَك على التعافي بامتيازٍ من رواسِب ومخلَّفات ما آلَت إليه نوباتُ اختلاطِ الحابل بالنابل ما بين الأداء الرسميّ وما بين الأداء الحزبيّ وما بين الأداء الشعبويّ من أمراضٍ مزمِنةٍ في الجسم اللبنانيّ خلال السنوات الطويلة الماضية.
وإذا كان اثنان لا يختلفان على أنّ الرصانة التي تتمايَز بها شخصيّة الرئيس عون ساهمَت إلى حدٍّ كبيرٍ في حماية البلد من مخاطر التخبُّط وسط متاهات الارتصافات الدوليّة والإقليميّة القائمة على طول خارطة العالم وعرضها منذ دخوله إلى قصر بعبدا عام 2016 ولغاية يومنا الراهن، فإنّ مراسم الاستقبال البارحة للوزير الإيرانيّ الضيف، معطوفةً على فحوى المواضيع التي تمَّ التطرُّق إليها خلال اللقاء، لم تخرُج بدورها عن سياق هذه الرصانة، ولا سيّما بعدما أشار أكثر من مصدَرٍ رسميٍّ خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية إلى أنّ الرئيس عون الذي أعرب عن امتنانه للدعم الذي يلقاه لبنان من الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة انطلاقًا من علاقة الصداقة التي تجمع بين البلدين، من دون أن يدخُل في تفاصيل العروض التي حمَلها الوزير ظريف، عبَّر عن شُكره في الموازاة على الاهتمام الإيرانيّ لمساعدة لبنان، على أن تبحث الحكومة في تفاصيل تلك المساعدات بما يتناسب مع المصلحة اللبنانيّة العليا، الأمر الذي تطابَق تمامًا مع ما أوضحه المكتب الإعلاميّ للرئيس الحريري عندما أشار إلى أنّ رئيس الحكومة شكر لوزير الخارجيّة الإيرانيّ استعداد بلاده لمساعدة لبنان في المجالات التي تحدِّدها الدولة اللبنانيّة، مؤكِّدًا أنّ الحكومة تنطلق في برنامجها للنهوض من مصلحة الشعب اللبنانيّ ومصالح لبنان العليا، علاوةً على أنّه تطابَق أيضًا مع ما جاء على لسان الرئيس برّي عندما قال إنّه في إمكان إيران مساعدة لبنان في كلّ ما يحتاجه وفي كلّ المجالات، معتبِرًا أنّ الإقدام على قبول هذه المساعدات يتطلَّب قرارًا سياسيًّا جريئًا.
ولعلّ من بين أبرز المؤشِّرات الهامّة التي تدلّ بوضوحٍ إلى انتعاش الحالة الصحّيّة اللبنانيّة الآنفة الذكر، فضلًا عمّا تقدَّم ذكره عن مسألة المساعدات الإيرانيّة، هو أنّ مواقف الرؤساء الثلاثة حيال أهمّيّة الدور الذي يمكن أن تلعبه طهران في معالجة قضيّة النازحين السوريّين في لبنان كانت متطابِقةً أيضًا، وخصوصًا من جهة ضمان العودة الآمنة لهؤلاء النازحين إلى المناطق المستقرَّة في ديارهم، ناهيك عن أنّ وزير الخارجيّة جبران باسيل كان قد أكَّد الاتّفاق مع الوزير ظريف على وجوب تسريع الحلّ السياسيّ في سوريا، لافتًا إلى أنّ “مسار أستانا” يهمُّ لبنان من ناحية الاستقرار وتهيئة الأجواء لعودة النازحين، ومشيرًا إلى أنّه لا يوجد حرجٌ في التعامل الاقتصاديّ مع إيران إذا وُجِدت الأطُر التي تحمي لبنان، وهي الأطُر التي كان الوزير الإيرانيّ قد لخَّصها مرارًا، سواءٌ خلال لقاءاته بالمسؤولين الرسميّين أم خلال اجتماعاته مع كلٍّ من الأمين العامّ لـ “حزب الله” السيّد حسن نصر الله وقادة الأحزاب اللبنانيّة والفصائل الفلسطينيّة المنضوية تحت لواء محور المقاومة، بالآليّات التي تعتمدها بعض الدول الأوروبيّة للتعاون الاقتصاديّ والتجاريّ مع إيران في الوقت الحاليّ من دون أن تتعارَض مع العقوبات الأميركيّة.
وسط هذه الأجواء، يصل المستشار في الديوان الملكيّ السعوديّ نزار العلولا مساء اليوم الثلاثاء إلى بيروت في زيارةٍ رسميّةٍ يلتقي خلالها بالرؤساء الثلاثة، فضلًا عن قياداتٍ وشخصيّاتٍ لبنانيّةٍ مستقلَّةٍ وأحزابٍ صديقةٍ للمملكة، بغية تجديد التأكيد على قرار خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ووليّ عهده الأمير محمد بن سلمان بالوقوف إلى جانب لبنان وأمنه واستقراره وعودة العافية إلى اقتصاده وماليّته، وذلك بالتزامُن مع اختتام زيارة وزير الخارجيّة الإيرانيّ التي كانت قد تزامَنت في الأصل مع زيارةٍ أخرى حمَل فيها الأمين العام لجامعة الدول العربيّة أحمد أبو الغيط للرئيس عون دعوتين للمشاركة في كلٍّ من قمّة شرم الشيخ العربيّة – الأوروبيّة الأسبوع المقبل والقمّة العربيّة العاديّة المقرَّرة في تونس أواخر شهر آذار (مارس)، إضافةً إلى رسالةٍ مؤدّاها أنّ التوافُق العربيّ على مسألة استعادة سوريا لمقعدها في الجامعة لم يتوفَّر بعد… وحسبي أنّ كافّة تجلّيات هذه التحرُّكات السياسيّة والديبلوماسيّة النشِطة، معطوفةً على اقتراب موعد الزيارة التي يُفترَض أن تقوم بها المفوَّضة العليا للسياسة الخارجيّة في الاتّحاد الأوروبيّ فيديريكا موغيريني لبيروت يوم الخامس والعشرين من الشهر الجاري، وعلى ما تردَّد حول اعتزام وزير الخارجيّة الأميركيّ مايك بومبيو القيام بزيارةٍ مماثِلةٍ، باتت تدلُّ في نهاية المطاف إلى مغزى المثل القائل إنّ لكلِّ حركةٍ برِكةٍ… وحسبيّ أنّ توافُق الرؤساء الثلاثة ميشال عون ونبيه برّي وسعد الحريري في مواقفهم الأخيرة من شأنه أن يسهِّل على اللبنانيّين عمليّة الإبحار في مضائق الارتصافات الدوليّة والإقليميّة التي تحاصرهم من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، خدمةً للمصلحة اللبنانيّة العليا، قبل أيِّ اعتبارٍ آخَر، وفوق أيِّ اعتبارٍ آخَر… والخير دائمًا في العهد من وراء القصد.