السلايدر الرئيسيكواليس واسرار

الولايات المتحدة تجري “مباحثات تمهيدية” بشأن الاتفاق الإسرائيلي ـ السوري

من سعيد جوهر

واشنطن ـ يورابيا ـ من سعيد جوهر ـ كشف موقع “أكسيوس” الأميركي، في تقرير مطوّل استند إلى مصادر أميركية وإسرائيلية رفيعة المستوى، أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت قد بدأت في إجراء محادثات أولية وسرّية مع كل من إسرائيل والحكومة السورية الجديدة التي تشكلت عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد. هذه المفاوضات، التي لم يُكشف عنها سابقًا، تأتي في إطار محاولة طموحة لإبرام اتفاق أمني مرحلي يُمهّد لتقارب سياسي قد يُفضي في المستقبل إلى معاهدة سلام شاملة بين دولتين ظلّتا على طرفي نقيض لعقود، وخاضتا حروبًا دامية منذ عام 1948.

وبحسب ما نقله الموقع، فإن هذه المحادثات ما زالت في مراحلها التمهيدية، وتُدار بهدوء شديد عبر قنوات خلفية ودبلوماسية سرّية، فيما تصفها المصادر الأميركية بأنها “محاولة حذرة لتقشير طبقات البصلة”، في إشارة إلى التعقيدات الكثيفة المرتبطة بهذا النوع من التفاوض في منطقة تعجّ بالتوترات والمصالح المتشابكة. وعلى الرغم من أن فكرة التطبيع الكامل بين إسرائيل وسوريا ليست مطروحة بجدية في هذه المرحلة، فإن المحادثات تهدف إلى خلق أرضية أمنية مشتركة، تبدأ بإعادة ترتيب الوضع العسكري القائم في الجولان وعلى طول خطوط وقف إطلاق النار، وتمر بتحديث اتفاقية فك الاشتباك الموقّعة عام 1974، وصولًا إلى بناء الثقة من خلال خطوات تدريجية قد تُمهّد لتقارب أوسع.

الموقع نقل عن مسؤولين في الإدارة الأميركية السابقة أن ترامب، الذي تبنّى خلال سنوات حكمه مواقف صارمة تجاه نظام الأسد، غيّر موقفه بشكل واضح بعد سقوط الأخير أواخر عام 2024 على يد تحالف معارض بقيادة القيادي الإسلامي السابق أحمد الشرع، إذ أعلن ترامب حينها استعداده لتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق “من أجل منح سوريا فرصة للعودة إلى العظمة”، وفق تعبيره. هذا التحوّل السياسي الأميركي شكّل فرصة لإطلاق قناة اتصال جديدة بين واشنطن ودمشق، بوساطة إسرائيلية، في محاولة لإعادة تشكيل المشهد الأمني في جنوب سوريا.

في المقابل، أبدت إسرائيل اهتمامًا متزايدًا بهذا المسار، خاصة في ظل الظروف الجديدة التي أعقبت سقوط الأسد، وتغيير موازين القوى على الأرض. وأوضح التقرير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغ شخصيًا مبعوث ترامب الخاص إلى سوريا، توم باراك، خلال لقاء جمعهما في مطلع يونيو/حزيران، أنه منفتح على فكرة الدخول في مفاوضات منظمة مع الحكومة السورية الجديدة، بشرط أن تكون برعاية أميركية مباشرة، وأن تؤدي في نهاية المطاف إلى اتفاق يشمل تطبيع العلاقات وإنهاء حالة العداء التاريخي.

ونقل الموقع عن مسؤول إسرائيلي كبير أن نتنياهو يطمح إلى اتفاق متدرج يبدأ بإحياء نسخة جديدة من اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، ويشمل لاحقًا ترتيبات أمنية طويلة الأمد، قبل الوصول إلى توقيع معاهدة سلام شاملة وتبادل السفراء. وأشار التقرير إلى أن إسرائيل تدير هذه المفاوضات عبر أربع قنوات رئيسية تشمل مستشار الأمن القومي تساحي هنغبي، ومدير جهاز الموساد ديفيد برنياع، ووزير الخارجية جدعون ساعر، إلى جانب هيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي التي تتابع التنسيق اليومي على الأرض.

المعطيات الميدانية تعزز من موقع إسرائيل التفاوضي، إذ أنها سيطرت منذ سقوط الأسد على مناطق استراتيجية جنوب سوريا، من بينها المنطقة العازلة القديمة والجانب السوري من جبل الشيخ، بالإضافة إلى تدمير منهجي للبنى التحتية العسكرية التابعة للنظام السابق، بما في ذلك الدفاعات الجوية، وقواعد الطيران، والمنشآت البحرية. واعتبر مسؤولون في تل أبيب أن هذه السيطرة العسكرية تُشكّل “ورقة ضغط تفاوضية قوية”، مؤكدين أن إسرائيل لن تنسحب من هذه المناطق دون مقابل سياسي وأمني حقيقي يشمل إنهاء حالة الحرب.

في واشنطن، يحظى هذا المسار التفاوضي بدعم مباشر من ترامب وفريقه، حيث أكد الموقع أن وزير الخارجية السابق ماركو روبيو قدّم دعماً سياسياً واسعًا للفريق التفاوضي، الذي يضم دبلوماسيين ومسؤولين أمنيين متمرسين. ونقل الموقع عن مسؤول أميركي رفيع قوله: “نحن في بداية طريق معقد، نتقدّم بخطوات صغيرة ومدروسة، فاختراقات الشرق الأوسط تُشبه تقشير البصلة: كل طبقة تُخفي طبقة أخرى أكثر حساسية”.

ورغم هذا التفاؤل الحذر، لا تخلو المحادثات من التحديات الجوهرية، وعلى رأسها قضية مرتفعات الجولان، التي تُعدّ نقطة خلاف تاريخية في كل جولات التفاوض السابقة بين دمشق وتل أبيب. إذ تطالب سوريا تقليديًا بانسحاب كامل من الجولان، بينما تعتبر إسرائيل أن الهضبة جزء لا يتجزأ من سيادتها، خصوصًا بعد أن اعترف بها ترامب رسميًا كجزء من إسرائيل خلال ولايته. وجدّد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر هذا الموقف بقوله إن الجولان “ليست مطروحة للنقاش”، وستظل تحت السيادة الإسرائيلية في أي اتفاق مستقبلي.

ويشير التقرير إلى أن التطورات المتسارعة دفعت الجانب الإسرائيلي إلى تكثيف اتصالاته مع واشنطن، إذ من المقرر أن يزور وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر العاصمة الأميركية في الأيام المقبلة، للقاء مسؤولين في البيت الأبيض وبحث الملف السوري، ضمن حزمة أوسع من القضايا الإقليمية. كما يُتوقع أن يُجري رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو زيارة لاحقة إلى واشنطن، لعقد اجتماعات مباشرة مع الرئيس ترامب، ووضع اللمسات السياسية على أي مسار تفاوضي مستقبلي بين إسرائيل وسوريا.

وبينما تبقى نتائج هذه المحادثات مفتوحة على احتمالات عدة، فإن مجرد حصول تواصل بين طرفين خاضا حروبًا منذ نصف قرن، وقطعا العلاقات الدبلوماسية بالكامل منذ 1967، يُعتبر خطوة بالغة الدلالة في مشهد إقليمي شديد التعقيد، ويفتح الباب – ولو نظريًا – أمام صيغة جديدة من التوازنات في منطقة لطالما اعتبرت ساحة صراع مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى