السلايدر الرئيسيتحقيقات

المصلحة الوطنيّة العليا… وقراءة متأنّية في صلاحيّات الرئيس وفقًا للدستور اللبنانيّ

جمال دملج

يورابيا ـ بيروت ـ من جمال دملج ـ ربّما ليس من باب المبالغة القول إنّ أكثر ما يحتاج إليه اللبنانيّون في هذه الأيّام هو التمعُّن قليلًا في دلالاتِ وأبعادِ ما جاء ذاتَ يومٍ على لسان رجل القانون الفرنسيّ ليون دوغي عندما قال إنّ “قيمةَ المؤسّساتِ هي مِن قيمةِ مَن يتولّى شؤونها”، بغية التوصُّل إلى قناعةٍ مؤدّاها أنّ قيمة المؤسّسات والصلاحيّات هي مِن مستوى المسؤوليّة والخبرة والقيادة التي يتمتَّع بها مَن يرأس هذه المؤسّسات أو مَن يمارس هذه الصلاحيّات، ولا سيّما أنّ الجدل المتفاعِل باضطرادٍ منذ نهار أوّل من أمس الخميس على خلفيّة المواقف التي عبَّر عنها رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون خلال انعقاد أولى جلسات الحكومة اللبنانيّة الجديدة في قصر بعبدا، وتشديده على قول ما حرفيّته: “أنا أعرف مصلحة لبنان العليا، وأنا أحدِّدها، فأنا في مركز المسؤوليّة وهذه صلاحيّاتي لأنّي الوحيد الذي أقسمتُ يمين الحفاظ على الدستور وقوانين الأمّة وسلامة الأرض والشعب، وأرسيتُ توازنًا وطنيًّا حتّى نحقِّق الاستقرار ونعيد بناء لبنان من جديدٍ”، سرعان ما وصل إلى حدِّ التشكيك في مشروعيّة تلك المواقف جملةً وتفصيلًا، سواءٌ عن طريق إدراجها في خانة التجاوزات المقصودة للصلاحيّات الرئاسيّة المحدَّدة بموجب الدستور أم عن طريق وصْفها بأنّها تستهدف نسْف الصيغة الميثاقيّة المنصوص عليها في “اتّفاق الطائف” الموقَّع عام 1989، من دون أن يأخُذ المشكِّكون في الاعتبار أنّ الاتّفاق المذكور، وإنْ كان قد مهَّد لإدخال تعديلاتٍ على الدستور اللبنانيّ المعمول به وفقًا لميثاق الاستقلال عام 1943 من حيث تجريد رئيس الجمهوريّة بعضًا من مفاعيل التفرُّد بممارسة السلطة الإجرائيّة لصالح مجلس الوزراء مجتمِعًا، ولكنّه أبقى في المحصِّلة النهائيّة على حقِّ الرئاسة الأولى، بموجبِ موادَّ ونصوصٍ دستوريّةٍ واضحةٍ وصريحةٍ، في تحديد مفاهيم وتوجُّهات المصلحة الوطنيّة العليا للبلد، وخصوصًا لدى مواجهةِ أزماتٍ كبرى كتلك التي يواجهها لبنان في الوقت الحاليّ جرّاء وصول عدد النازحين السوريّين المتواجدين فوق أراضيه إلى ما يعادل ثلث عدد سكّانه الأصليّين، وهي الأزمة التي لو قُدِّر لأيِّ دولةٍ من دول العالم أن تواجِه مثيلًا لها لكانت قد قرعَت على الفور نواقيس الخطر وأعلنَت على الفور أيضًا حالة الطوارىء.

المقاربة الصريحة

وقبل الدخول في تفاصيل الموادّ والنصوص الدستوريّة ذات الصِلة بضبط إيقاع العلاقة الوطنيّة في إطار الصيغة الميثاقيّة بين الرؤساء الثلاثة في لبنان، أيْ رئيس الجمهوريّة المارونيّ ورئيس مجلس النوّاب الشيعيّ ورئيس مجلس الوزراء السُنّيّ، لا بدَّ من التوقُّف عند رمزيّة المواقف الجريئة التي عبَّر عنها الرئيس عون في سياق تقديم مقاربته البراغماتيّة والصريحة بخصوص تداعيات أزمة النزوح السوريّ، ولا سيّما عندما قال “إنّ النأي بالنفس حسب مفهومنا هو عمّا يحصل في سوريا، وليس عن مليونٍ ونصفِ مليونِ نازحٍ سوريٍّ يعيشون في لبنان، ما ألحَق تداعياتٍ اقتصاديّةً واجتماعيّةً وإنمائيّةً وأمنيّةً أثَّرت على أوضاعنا، خصوصًا مع تلاحُق الأزمات الاقتصاديّة الخارجيّة والداخليّة التي أحاطت بنا”، مستحضِرًا قولًا لنابوليون بونابرت مؤدّاه أنّ “السياسة ابنة التاريخ، والتاريخ ابن الجغرافيا، والجغرافيا ثابتة لا تتغيَّر، وبالتالي، فإنّ أيَّ بلدٍ مجاوِرٍ مثل سوريا، لا بدَّ أن نقيم معه علاقةً خاصّةً”، ومشيرًا إلى “وجود اتّصالاتٍ من دولٍ عربيّةٍ عدّةٍ لإعادة علاقاتها مع سوريا”، ومنوِّهًا بأنّه “بعد الحرب العالميّة الثانية، ركَب الرئيس شارل ديغول الطائرة وذهب إلى المانيا واتّفَق مع اديناور على التعاون”، ومشدِّدًا على أنّه “إذا لم ندرك هذه الحقائق اليوم، لا يمكن أن نواجه المستقبل. يقولون إنّ سوريا لا تريد عودة النازحين، وأنا أقول لكم إنّها تريد هذه العودة. لقد تمَّت حتّى الآن عودة 156 ألفَ نازحٍ سوريٍّ تأمَّنت لهم مساكن مؤقَّتة والمدارس لأطفالهم، ولبنان تلقّى ضماناتٍ سوريّةً باستقبال النازحين على أرضهم عندما يعودون”، وهي المقاربة التي يُفترَض أن تُعتمَد في نهاية المطاف كخارطةِ طريقٍ تنهَد إلى حلّ مشكلة النزوح بشكلٍ نهائيٍّ عوضًا عن إخضاعها لعوارِض التشكيك في مرجعيّتها الدستوريّة الواضحة والجليّة للجميع.

الحصانة والقسَم الرئاسيّ

على هذا الأساس، وتماشيًا مع الرغبة في إيضاح المراجع الدستوريّة والقانونيّة التي تعطي الرئيس عون الحقّ الكامل في طرْح مقاربته الآنفة الذكر داخل مجلس الوزراء، لا بدَّ من التوقُّف عند المادّة 50 من الدستور اللبنانيّ التي تنصّ على أنّ رئيس الجمهوريّة، وفور انتخابه، يُقسِم أمام البرلمان يمين الإخلاص للأمّة والدستور: “أحلف بالله العظيم إنّي أحترم دستور الأمّة اللبنانيّة وقوانينها وأحفظ استقلال الوطن اللبنانيّ وسلامة أراضيه”، وهو القسَم الذي يُعتبَر رئيس الجمهوريّة المسؤول الرسميّ الوحيد الذي يحلِف به للدلالة على أهمّيّة موقعه ومسؤوليّاته التي تتطلَّب منه الأمانة تجاه الحفاظ على الدستور، فضلًا عن أنّه يُعتبَر أيضًا، بحسب المادّة 49، ضامِن الوحدة الوطنيّة في البلد.

علاوةً على ذلك، ووفقًا للعديد من الكتب والدراسات البحثيّة المتخصِّصة، فإنّ رئيس الجمهوريّة هو الذي يعود له في حالاتٍ معيَّنةٍ (المادّتان 65 و77) الطلب إلى مجلس الوزراء حلّ مجلس النوّاب قبل انتهاء عهد النيابة. كما لديه الحقّ في طلب إعادة النظر في المراسيم والقوانين قبل إصدارها (المادّتان 56 و57)، وتأجيل انعقاد المجلس النيابيّ (المادّة 59)، وصلاحيّة تعيين الوزراء ورئيس الحكومة (المادّة 53)، وصلاحيّة التفاوُض في عقد الاتّفاقيّات الدوليّة وإبرامها بالاتّفاق مع رئيس الحكومة (المادّة 52)، كما يتمتَّع بصلاحيّة مراجعة المجلس الدستوريّ لبتّ دستوريّة القوانين، وصلاحيّته في اقتراح إعادة النظر في الدستور (المادّة 76)، وغيرها من الصلاحيّات التي يترتَّب عليها آثارًا دستوريّة وقانونيّة تؤثِّر في استقلال لبنان وسلامة أراضيه ووحدته وأمنه.

من هنا، تبرز حاجة رئيس الجمهوريّة إلى التمسُّك بصلاحيّاته المنصوص عليها في المادّة 53 من الدستور لجهة المشاركة الفعليّة في اختيار مجلس الوزراء، ولا سيّما الفقرة 12 من هذه المادّة التي أعطته صلاحيّة دعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد بصورةٍ استثنائيّةٍ وبالاتّفاق مع رئيس الحكومة، فضلًا عن الفقرة 11 من المادّة ذاتها التي أعطته الحقّ في عرض أيِّ طارئٍ على مجلس الوزراء من خارج جدول أعماله.

وبناءً على ذلك، تتبيّن هنا الأهمّيّة التي أولاها الدستور لرئيس الجمهوريّة كمرجعٍ أساسيٍّ في تحديد الأمور الطارئة التي يجب عرضها على مجلس الوزراء، معتبرًا إيّاه ضمير الأمّة والأمين على الدستور والحقوق التي تنبثق منه، والمدافع عن المصلحة العليا والوحدة الوطنيّة والاستقلال والأمن، بعيدًا عن التجاذبات الخارجيّة والاعتبارات السياسيّة الضيِّقة… وحسبي أنّ مقاربة الرئيس عون البراغماتيّة والصريحة والجليّة بخصوص تداعيات أزمة النزوح السوريّ في لبنان لم تخرج على الإطلاق عن كلّ هذه القواعد والأصول… والخير دائمًا في رجال الدولة الذين يتحمَّلون مسؤوليّاتهم كاملة من وراء القصد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى