“المصري” يعود إلى الواجهة في ليبيا… ملف أسامة نجيم يشتعل مجدداً في ظل توترات طرابلس
من سعيد السويحلي

طرابلس ـ يورابيا ـ من سعيد السويحلي ـ اد اسم الضابط الليبي أسامة نجيم، المعروف بلقبه “المصري”، إلى صدارة المشهد السياسي والأمني في ليبيا، بعد تهديد الحكومة الليبية المعترف بها دوليًا باعتقاله وتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، وذلك على خلفية الاشتباكات الأخيرة بين الفصائل المسلحة في العاصمة طرابلس.
ويأتي هذا التطور بعد أشهر قليلة من الإفراج عن نجيم من قبل السلطات الإيطالية في يناير/كانون الثاني 2025، عقب اعتقاله في مدينة تورينو شمال إيطاليا استنادًا إلى مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، تتهمه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لاسيما ما يتعلق بانتهاكات خطيرة بحق المهاجرين في مركز احتجاز معيتيقة، الذي أدارته قوات أمنية مرتبطة به.
إطلاق سراح مثير للجدل
صحيفة” إيل بوست” الإيطالية كشفت أن قرار الإفراج عن نجيم، الذي كان يتولى قيادة جهاز الشرطة القضائية في ليبيا، جاء على ما يبدو في إطار حسابات سياسية حساسة تهدف إلى الحفاظ على علاقات روما مع الحكومة الليبية والمليشيات النافذة على الأرض، مما أثار جدلاً واسعًا في الأوساط القانونية والحقوقية الأوروبية.
توتر وتصعيد بعد مقتل الككلي
تطورات ملف “المصري” ارتبطت بشكل مباشر بالتدهور الأمني الكبير الذي شهدته طرابلس في مايو/أيار 2025، عقب مقتل عبد الغني الككلي، الشهير بلقب “غنيوة”، زعيم واحدة من أكبر المليشيات المسلحة في العاصمة، خلال اشتباكات عنيفة مع اللواء 444 الموالي لرئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة.
وبحسب” إيل بوست”، تشير مصادر محلية إلى أن هذه المواجهات أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 90 شخصًا، رغم غياب أي تأكيد رسمي من السلطات الليبية بشأن العدد الدقيق للضحايا.
“المصري” والدبيبة: من الحلف إلى الصراع
كانت العلاقة بين نجيم والدبيبة في السابق أقرب إلى التحالف الفعلي، غير أن الظروف تغيرت في ظل تفاقم الانقسامات داخل المشهد الأمني الليبي. فبعد مقتل الككلي، رأت حكومة الدبيبة الفرصة سانحة لإعادة ترتيب موازين القوى في طرابلس والقضاء على المليشيات المنافسة.
وذكرت الصحيفة أن “المصري” يُعد من أبرز حلفاء مليشيا الردع الخاصة، وهي واحدة من القوى الأمنية التي أبدت معارضة متزايدة لحكومة الدبيبة. كما تربطه علاقات وثيقة بهذه المليشيا، تصل إلى حد التعاون في إدارة بعض السجون بالعاصمة.
وفي هذا السياق، تقول كلوديا غازيني، المحللة في مجموعة الأزمات الدولية، إن “المصري وقوات الردع يعملان معًا في بعض السجون الليبية، ويشكلان فعليًا تحالفًا مستقلاً ومؤثرًا”.
استخدام ورقة الجنائية الدولية
على وقع هذه التوترات، لجأ الدبيبة إلى إعادة تفعيل مذكرة المحكمة الجنائية الدولية ضد المصري، حيث قام بسحب صلاحياته على جهاز الشرطة القضائية وهدده بالاعتقال، وفق ما أكدت الصحيفة الإيطالية. تزامن ذلك مع إعلان الحكومة الليبية جزئيًا اعترافها باختصاص المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق ببعض الجرائم، ما أتاح للمدعي العام كريم خان المطالبة رسميًا بتسليم نجيم.
لعبة التهديدات والمناورات السياسية
ورغم تهديدات الدبيبة، تشير التحليلات إلى أن خطوة الاعتقال لا تزال محاطة بالغموض، خاصة في ظل امتناعه عن الالتزام الصريح بتسليم “المصري”، مكتفيًا بتوجيه رسائل علنية إلى المليشيات المناوئة.
وقالت فيديريكا سايني فاسانوتي، الباحثة في معهد الدراسات السياسية الدولية في إيطاليا (ISPI): “التزامن بين الاعتراف بمذكرة التوقيف وتصعيد الاشتباكات ليس مجرد صدفة. يبدو أن الدبيبة يحاول تصفية مليشيا الردع الخاصة، ومن خلالها التخلص من المصري”.
ميزان القوى يعود لمكانه
لكن التطورات اللاحقة لم تأت كما خطط لها رئيس الحكومة. فمع انحسار الاشتباكات وعودة الهدوء النسبي إلى طرابلس، استرجعت مليشيا الردع الخاصة جزءاً كبيراً من نفوذها في المدينة. كما قام المجلس الرئاسي، الذي يشغل منصب رئيس الدولة مؤقتًا، بإلغاء بعض المراسيم التي أصدرها الدبيبة والتي شملت إقالة المصري وآخرين من مناصبهم.
في ضوء هذه المستجدات، عاد “المصري” إلى ممارسة مهامه بحذر، في مشهد لا يزال مفتوحًا على احتمالات التصعيد مجددًا، وسط شبكة معقدة من التحالفات والمصالح المتضاربة بين قوى الأمن والمليشيات والحكومة المركزية.