الغارديان: بريطانيا دفعت 800 مليون جنيه إسترليني لتدارك فضيحة تسريب بيانات آلاف الأفغان الذين خدموا مع قواتها
من سعيد سلامة
لندن ـ يورابيا ـ من سعيد سلامة ـ قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن الحكومة البريطانية اضطرت لتفعيل خطة سرية لإعادة توطين مئات من الأفغان وعائلاتهم، بعد تسريب بياناتهم الشخصية عن طريق الخطأ، ما عرض حياتهم للخطر بسبب تعاونهم السابق مع القوات البريطانية في أفغانستان. وأضافت الصحيفة أن هذا المخطط السري كلف المملكة المتحدة ما يقرب من 800 مليون جنيه إسترليني، وأنه تم في ظل تعتيم إعلامي وقضائي دام نحو عامين.
وذكرت الغارديان أن جون هيلي، وزير الدفاع في حكومة الظل، كشف في مجلس العموم أن 900 أفغاني، بالإضافة إلى 3600 من أفراد عائلاتهم، قد وصلوا إلى المملكة المتحدة أو هم في طريقهم إليها ضمن ما يُعرف بمسار “الاستجابة الأفغانية” (ARR)، وهو برنامج خاص لإعادة التوطين تم تفعيله في أعقاب التسريب الأمني الخطير.
وقالت الصحيفة إن أصل القضية يعود إلى خطأ إداري فادح ارتكبه أحد المسؤولين البريطانيين، حين أرسل رسالة بريد إلكتروني كان يُعتقد أنها تتضمن أسماء 150 متقدّمًا لبرنامج إعادة التوطين الأفغاني (ARP)، لكنها في الواقع احتوت على بيانات قرابة 19 ألف شخص. وقد تم فرض أمر قضائي يمنع الصحفيين ووسائل الإعلام من تغطية هذا التسريب، وأُبلغت ثماني مؤسسات إعلامية بعدم النشر، وفقًا للغارديان، وظلّ الحظر ساريًا لما يقارب العامين.
وأضافت الغارديان أن الحكومة البريطانية تحركت سريعًا بعد التسريب لتأسيس برنامج ARR بهدف نقل الأشخاص الأكثر عرضة للخطر من أفغانستان، وأخضعتهم لفحوص أمنية مشددة قبل إدراجهم ضمن أرقام إعادة التوطين الرسمية. إلا أن هذه الجهود، بحسب هيلي، افتقرت إلى الشفافية سواء تجاه البرلمان أو الرأي العام، وهو ما دفعه، بعد توليه المنصب، إلى إطلاق مراجعة مستقلة بقيادة بول ريمر.
وتابع التقرير أن مراجعة ريمر خلصت إلى أن خطر استهداف طالبان للأفراد المدرجين في التسريب يبقى “محدودًا”، نظرًا إلى أن طالبان تمتلك بالفعل كمًا كبيرًا من البيانات التي خلفتها الحكومة السابقة، ما يُمكّنها من التعرف على المتعاونين. ورغم ذلك، اعتُبرت سياسة ARR بمثابة تدخل حاسم للتعامل مع الخطر المحتمل.
وقالت الغارديان إن هيلي أعلن عن إغلاق البرنامج رسميًا، بعد أن تم تنفيذ الجزء الأكبر منه، وأكد أن تكلفة نقل الأفغان نتيجة مباشرة للتسريب بلغت 400 مليون جنيه إسترليني، مع توقع إنفاق مبلغ مماثل على من لم يصلوا بعد، ليصل الإجمالي إلى نحو 800 مليون جنيه.
ورغم هذا، أشارت الصحيفة إلى أن تقديرات أخرى، مثل تلك التي طرحتها النائبة هيلين ماجواير من حزب الديمقراطيين الليبراليين، تشير إلى أن التكاليف الكاملة التي ستتحملها الحكومة البريطانية نتيجة تبعات التسريب قد تصل إلى 7 مليارات جنيه إسترليني.
وأضافت الغارديان أن وزير الدفاع السابق، جيمس كارتليدج، انضم إلى هيلي في تقديم اعتذار رسمي للأفغان المتضررين من التسريب، مؤكدًا أن الحادثة تمثل “انتهاكًا غير مقبول لجميع بروتوكولات البيانات”. ودافع كارتليدج عن قرار الحكومة السابقة بإنشاء خطة نقل سرية، معتبرًا أن الأولوية حينها كانت منع تعرّض الأشخاص المعنيين للتعذيب أو القتل على يد طالبان.
وبحسب الغارديان، فإن مراجعة ريمر للمخاطر المستمرة المرتبطة بالتسريب، خلصت إلى عدة نقاط أساسية، أهمها أن مرور نحو أربع سنوات على سيطرة طالبان، غيّر طبيعة التهديدات. حيث أصبح الانخراط الحالي في أنشطة معارضة أو مقاومة لحكم طالبان هو العامل الأساسي الذي يحدد المخاطر، وليس مجرد التواجد في قاعدة بيانات قديمة. وأشارت المراجعة إلى أنه لا توجد أدلة كافية على أن طالبان استهدفت الأفراد المدرجين في التسريب، أو أنها حصلت فعلاً على النسخة الكاملة منه.
وأوضحت الصحيفة أن البيانات المسرّبة، رغم خطورتها المحتملة، لا تشكل وحدها سببًا كافيًا لدفع طالبان إلى اتخاذ إجراءات انتقامية، كونها مجرد “جزء من لغز”، وليست “دليلًا قاطعًا”. كما أن الروابط العائلية والاجتماعية في أفغانستان تجعل الانتماءات والارتباطات السابقة معروفة بشكل واسع، حتى دون الحاجة إلى تسريبات إلكترونية.
واختتمت الغارديان تقريرها بالإشارة إلى أن هذا الحادث يسلط الضوء على التحديات التي تواجهها الحكومات الغربية في إدارة ملفات ما بعد الحرب، خاصة في ظل التناقضات بين الشعارات الإنسانية والممارسات الأمنية الصارمة. كما كشفت هذه القضية هشاشة أنظمة حماية البيانات في الدولة، والتكلفة السياسية والمالية الهائلة لأخطاء من هذا النوع.
