*روجدا علي
يقول صديق لي، أنّه حتّى اليوم يزال يكره لون بشرته، ذاك أنّه منذ أن بدأ يعي الحياة، لقّبوه أفراد عائلته بـ “البندورة السوداء”، في إشارةٍ إلى لون بشرته السمراء. خلّف هذ الوصف التمييزي له عقدة نفسيّة رافقته إلى اليوم.
العنف النفسيّ، أو ما يعرف بـ العنف اللفظي، هو شكل من أشكال العنف، يبدأ بتصرّفات عفويّة سواء بالسخرية أو الاستهزاء أو الإهانة من الأهل أو المعلمين أو المحيط الاجتماعي عموماً، ويترك خلفه أثار ونتائج وخيمة، ذاك أن الطفل هو شخص طازج بوصفه، يحتفظ ويتلقّى كل الأشياء والمعلومات، سواء أكانت هذه الإشارات والمعلومات والكلمات سلبيّة أو إيجابيّة.
والحال أنّ عدم الإيمان بقدرات الطفل والتشكيك المستمرّ بأقواله والازدراء والشتائم الّتي قد يتلقّاها من العائلة أو المدرسة، يؤدّي على العموم إلى أن تكون شخصيّة الطفل المؤسّسة شخصيّة انهزاميّة وانطوائيّة عن محيطه والناس.
غير ذلك، فإنّ العنف اللفظيّ الّذي يرافقه إطلاق ألقاب أو أسماء تدلّ على السلبيّة بغرض السخريّة منه أو من اسمه أو من أحد صفاته الجسديّة أو الروحيّة، يولّد في ذهنيّة وكينونة الطفل عدم الرغبة في وجوده وشكله واسمه، وبذلك فإنّه يفقد أجزاء من هويته المستقبليّة التي تؤسّس وجوده الاجتماعي والعملي في كل المجالات.
عرّف خبراء العنف اللفظيّ على أنّه هو ذاته العنف النفسيّ، لأنّ الألفاظ الّتي يتلقّاها الطفل في منزله، تؤثّر على حالته وظروفِه النفسيّة، وعلى هذا الأساس فإن مشاكل الوالدين والجو الأسريّ المشتت والمفتّت، أو رغبة الأهل بالتخلّص من أعباء الطفل والتخلّي عنه، يخلق لدى الطفل شعور نفسيّ بعدم الرغبة في وجوده وبه، وهذا ما يمكن أن يخلّف لدى الطفل ذاكرة جمعيّة تلغي مفاهيم العائلة عنده، وبالتالي اللجوء إلى كيانات اجتماعيّة ثانية بديلة يمكن أن تحتويه، وغالباً ستكون هذه الكيانات هي الأسوأ لنشوء أي فرد في أي مجتمع.
يصنّف العنف اللفظيّ على أنّه أشد خطورةً من العنف الجسديّ، وذلك لأن العنف الجسديّ يمكن أن يترك ألماً وكدمات وإصابات في جسد الطفل، وهذا يظهر للعيان، ويختفي، ورغم أنّه أيضاً يترك خلفه أثار نفسيّة سيئة، إلا أنّه نسبيّاً فإن الإساءة اللفظيّة أشد وطأة على الطفل، لأن العنف اللفظيّ تكون كلّ أثاره مخفيّة ويصعب إدراكها، وبالتالي فإن النتائج غير متوقعّة وغير محضّرة لها بالشكل الكافي.
إن ما يمكنه أن يقوّي ثبات النبتة في الأرض هي الجذور في الأرض والاهتمام الزائد بها، كذلك هو الطفل. فإنّ اختفاء الاهتمام والتشجيع وتلقّي المعلومات السليمة، سيولّد شخصية مهزومة غير قادرة على النهوض والوقوف. شخصيّة غير واثقة بذاتها وقراراتها. على سبيل المثال، الأطفال الذين تعرّضوا أو يتعرضون لعنف نفسي، هم أكثر فئات الأطفال المتراجعين في دراستهم، ويملكون أضراراً إضافيّة في محيطهم الدراسيّ والتعليميّ، إذ أنه يتحوّل إلى شخص عدواني مع زملاءه في المدرسة، وهذا انعكاس مباشر لطريقة تربية الوالدين له.
هذا الحديث عن الأسباب الأوّلية للعنف اللفظيّ، يصل بالطفل لأن يخلق محيط أخر بديل له، بديل عن العائلة والمدرسة ومحيطه الّذي خلّف له هذا التخبّط النفسي، فغالباً يلجأ الطفل إلى أصدقاء غير سليمين فقط بغرض الانتقام من عائلته. يقول خبراء إنه مع استمرار هذا الشكل من العنف، فإن الطفل يلجأ إلى العزلة، ويصبح أكثر عرضة للاكتئاب، لذلك فإن الخبراء يقرّون بأن هذا الأمر من أكثر الأسباب التي تجعل الطفل يقدم على فعل الانتحار.
وفي مطلق الأحوال، قلّة المهارة التربويّة لدى الوالدين، سواء نتيجة الزواج المبكّر أو أن يكون الوالدين من بيئة غير سليمة كبيئة الحرّوب والنزاعات أو البيئات القبليّة والمتدنيّة اقتصادياً، يؤسّس لعائلة ترغب في انجاب طفل، لكن دون أن تخطّط له ولطريقة تربيته وحياته. وبذلك فإن حال الأطفال المولودين في هذه البيئة يكون صعباً، حيث أن العائلة لا تتمكّن بسهولة أن تتكيّف مع وجود مولود جديد في العائلة، ومع التقادم فإن المشاكل الأسريّة تبدأ بالتزايد، وهذا لأن العائلة غالباُ لا تملك الإدراك الكافي.
تعطي هذه النتائج والأسباب للطفل مخاوف كثيرة في الحياة، منها “الخوف من الاختيار- الخوف من التعبير عن رأيه- المشاكل اللفظيّة التي تصل به إلى التأتأة أحياناً”.
إضافة إلى ذلك، فنتيجة تجارب فاشلة، مرّ بها أحد الوالدين في حياته. فتعرض أحد الوالدين لعنف في مرحلة ما، يعرضهم لمشاكل وعقد نفسية، تعكس بنسبة كبيرة على طريقة تربيتهم المستقبلية لأطفالهم، فما يحفظ الانسان في ذاكرته بوقت ما ينسخه في مكان أخر. كذلك هي التربية العنيفة.
تالياً، فإنّ لكل داء دواء ولكن لا يمكن لأي مشكلة أن تعالج بصورةٍ تقليديّة. فالعصبية الزائدة لدى أفراد العائلة يمكن الاعتياد على ضبطها والتحكم بها، والتعرض للعنف في مرحلة معينة لا يعني أن يتم تعكيسه على الأطفال فيما بعد. المشاكل العائلية يمكن الحد منها، وطريقة العوائل في التربية ليست بالضرورة أن تكون الطريقة الصحيحة. الحلول دائماً تكون موجودة؛ لكن كشخص يمر في مرحلة نفسية سيئة، لا يمكن بسهولة أن يضع حلاً لمشاكله أو التصرّف بطريقة سليمة، في هذه الحالة لا يوجد طرف قد يساعد بصورة كبيرة كالمرشد النفسي، إذ أنه بدوره يعي المرحلة المستقبليّة التي قد يصل إليها الطفل وبالتالي فإنه يملك طرق الحد منها بصورةٍ سليمة. المرشد النفسي الذي أحدنا يخاف أو يحبذ عدم زيارة عيادته، لأنه في مرحلة سابقة أرفقوا هذا المصطلح بالجنون غير مدركين تماماً، الدور المنوط به عمله.
*إعلامية كرديّة