أن تجعل إنجازاتك العالمية كلها معلقة بلاعب كرة قدم لمجرد أنه مسلم عربي، ينتمي إلى وطنك، نجح في مجاله الرياضي بشكل جزئي في أحد الدوريات الأوروبية فهذا قمة المهانة التي ارتضيتها لنفسك، إنه ما ينبغي أن يشعر به أي إنسان سوي أراد له الله أن يولد في المجتمع العربي.
كرة القدم ما هي إلا لعبة لا تتعدى حدود الألعاب الرياضية، ولا تصنع من لاعبيها أبطال حقيقيين يسهمون في تطوير الإنسانية ودفع البشرية في مسار التقدم والرقي فإذا اعتبرنا بعض اللاعبين ناجحين في مجال عملهم يمكننا أن نشجعهم ونصفق لإبداعهم لكن لا يمكننا بأي حال من الأحوال مساواتهم بالعلماء والفلاسفة وأمثالهم ممن وضعوا العالم على طريق سليم من الفكر والتخطيط للمستقبل لكي يصل إلى بر الأمان، فمع كامل الاحترام للمهن الرياضية وأصحابها يظل لاعبوا كرة القدم لاعبين رياضيين ليس أكثر، وأي شخص يضعهم في مكانة أعلى من هذه لابد أنه يعاني نفسيا وعقليا من الخلط بين المفاهيم.
من جهة أخرى فإن كرة القدم لها معاييرها الواضحة التي ليس من ضمنها العاطفة المبنية على الهوية الوطنية أو الدينية، فمن غير المعقول أن يُعتبر لاعب كرة قدم الأفضل في العالم لمجرد أنه مصري مسلم يسجد بعد كل هدف يسجله، وهذا ما رأيته جليا في الكثير من التعليقات المصرية على مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض القنوات الفضائية، تلك التعليقات التي ربطت بوضوح بين الوطن والدين من جانب وأفضلية اللاعب من جانب آخر، إنها وصمة عار على جبين هؤلاء المصريون الذين استطاعوا تبديل المعايير السليمة لخدمة المنتمين لهويتهم على حساب الحقيقة، هذا يقلل من مصداقيتهم في جميع أنحاء العالم، هذه المصداقية التي تُبنى عليها الصورة العامة لمصر ومواطنيها بل والتي تُبنى عليها الدولة ومستقبلها، فإذا فقد شعبا مصداقيته فقد الطريق الصحيح الذي يؤدي به إلى صحيح المسار الذي يقوده بدوره إلى نيل النجاح الحقيقي غير المبني على خداع وتزييف.
لقد صدرت استنكارات عالمية عديدة من مدربين ولاعبين ومحللين رياضيين مشاهير ضد القائمة النهائية لجائزة the best المنظمة من فيفا (الاتحاد الدولي لكرة القدم) بسبب غياب المعايير الصحيحة، فليحمدوا الله أنهم ليسوا مصريين وإلا لكانوا قد تعرضوا لموجات من التخوين والشتائم لم يشهدها تاريخهم كاملا، تعلقت هذه الاستنكارات خاصة بغياب ليونيل ميسي وحلول محمد صلاح بدلا منه، فميسي قد حصل على الحذاء الذهبي باعتباره هداف الدوريات الأوروبية جمعاء في عام 2018 كما قاد فريقه برشلونة للفوز بثلاثة كؤوس هم الدوري الإسباني وكأس ملك إسبانيا وكأس السوبر الإسباني بعكس محمد صلاح الذي لم يساعد فريقه ليفربول في الحصول على أي كأس أو بطولة فضلا عن أنه فشل في خطف الحذاء الذهبي الأوروبي من ميسي، إلى جوار ميسي يأتي جريزمان الذي قاد منتخب فرنسا إلى الفوز بكأس العالم كما قاد ناديه أتلتيكو مدريد للفوز باليوروبا ليج والسوبر الأوروبي بعكس محمد صلاح الذي خرج من الدور الأول بكأس العالم، وغيرهما الكثير من اللاعبين التي تعجبت وبهتت الآراء الرياضية حول العالم لتواجد محمد صلاح بدلا منهم في القائمة النهائية لجائزة فيفا.
أما عن جائزة بوشكاش المقدمة لأفضل هدف في العالم فقد اعتمدت اعتمادا كليا على التصويت الإلكتروني عبر الإنترنت مما أدى إلى نجاح هدف محمد صلاح في الحصول على الجائزة، وهذا أمر محزن أن يعتمد النجاح على القبلية التصويتية المصرية غير المستندة على معايير سليمة لكي يحصل على الجائزة، في الوقت الذي أشار فيه كل المختصين الرياضيين الذين تابعت آرائهم سواء كانوا من العرب أو الأجانب إلى أن ذلك الهدف ليس الأفضل بين الأهداف المرشحة للجائزة، ليتأكد ما سبق وأشرنا إليه من أن هناك انقياد عاطفي وغياب للمصداقية عند المصوتين بالإضافة إلى التماهي مع هذه العشوائية التنظيمية من جانب منظمي المسابقة أنفسهم.
خطأ فيفا في وضع القائمة النهائية لأفضل لاعبي العالم أو ما وصفه البعض بالفضيحة الكروية التاريخية قد أكده فيفا نفسه حينما استبعد محمد صلاح من أفضل تشكيل لكرة القدم في العالم في حفل توزيع الجوائز عينه، بالإضافة إلى لعبة فيفا 2019 التي وضعت محمد صلاح في المركز ال 27 عالميا بحسب المقاييس الرياضية ليسبقه في الأفضلية الرياضية 26 لاعبا بينما جاء ميسي في المركز الثاني بعد كريستيانو رونالدو في مقدمة لاعبي العالم في هذه اللعبة، إذن فكل المؤشرات تؤكد الرأي القائل بأن هناك لاعبين ظلموا باستبعادهم من القائمة النهائية لجائزة فيفا لأفضل لاعب في العالم نظرا لأن الجائزة لم تعتمد على معايير واقعية إنما اعتمدت على عواطف شخصية جاء أكثرها منافيا للحقيقة.
إحقاقا للحق فقد قرأت بعض التعليقات المصرية المدافعة عن الحقيقة وهي أن محمد صلاح ليس أفضل لاعب لكرة القدم ويوجد من هم أحق منه بالتواجد في قائمة فيفا النهائية لأفضل ثلاثة لاعبين في العالم، وهذه المصداقية بلا شك ترفع من قيمة أصحابها أمام أسوياء العقول في كل أنحاء العالم، ولكنني رأيت مقابلها تعليقات كثيرة تخوّن كل مصري أو عربي لا يقول أن محمد صلاح هو الأفضل في العالم، وأكاد أجزم أن غالبية أصحاب هذه التعليقات التخوينية يفتقدون معرفة أساسيات كرة القدم، ومنهم نساء وفتيات مصريات لا يعرفن عن كرة القدم غير أنها قطعة مستديرة منفوخة من الجلد تمارس بالأقدام، إنها أزمة حقيقية أن ترى شخصا أفضل من غيره لأنه منتميا لبلدك ودينك دونما أدنى اعتبار للمعايير الصحيحة، فإذا كنت ترى ذلك عن غير قصد فتلك مصيبة، وإذا كنت ترى ذلك عن قصد فالمصيبة أعظم، لأنك كشفت عن أن العاطفة يمكنها أن تجعل منك إنسان غير صادق لا تعرف قيمة الحق، وبذلك تُعتبر مفتقدا لأهم صفات الإنسانية وهي المصداقية، وهذا بالتأكيد له أصداءه العالمية غير المبشرة بالخير للمصريين عندما يعطون انطباعا سيئا عنهم بشكل مؤسف للعالم.
أتذكر تلك الإعلامية المصرية التي وصفت محمد صلاح برسول الإسلام في الغرب بعد أن سجل عددا من الأهداف في الدوري الإنجليزي وسجد بعد كل هدف منها، وغيرها الكثيرون ممن ساروا على نفس الوتيرة المريضة، بينما لم نجد مسيحيا واحدا حول العالم على مدى السنوات الماضية وصف ليونيل ميسي، مثلا، راشم الصليب بعد كل هدف برسول المسيحية، لأنه برغم إنجازاته غير المسبوقة عالميا في كرة القدم يظل ذلك اللاعب الرياضي الذي تنحصر إنجازاته في محاولات وضع كرة منفوخة من الجلد في شبكة من القماش، وإذا رشم الصليب أو لم يرشمه فهذا يفعله لنفسه بينه وبين ربه، وليس لأحد أن يغالي في رؤيته لذلك الفعل الشخصي، وإذا كنا نعجب بعمله ونصفق لإنجازاته الرياضية المتفردة من الواجب علينا ألا ننسى طبيعة عمله ولا طبيعة إنجازاته أو نضعها في حجم ليس حجمها أو في مكان ليس مكانها.
هذه الأزمة تفتح موضوعا في غاية الأهمية وهو هوَس الأفضلية العالمية الذي ينتاب الكثيرين من سكان الدول العربية في مجالات شتى دون وجود معايير سوى الانتماء النفسي للهوية الشخصية سواء كانت دينية أو وطنية، ومن هذه الأزمة يمكنك أن ترى ادعاءات المؤامرات الخارجية التي تحاك ضد الدول العربية والتي يعتبرها المدعين المتسببة في فشل أوطانهم مع تجاهلهم التام لمناقشة الأخطاء التي سقطوا فيها أو سقطت فيها دولهم وكأنهم معصومون لا يخطئون، ما يعد هروبا من الاعتراف بالتقصير أو الاحتياج للتعلم من الآخر المختلف في الدين والهوية الوطنية، وذلك يؤكد أن الدول العربية في حاجة ماسة لمعالجة هذه الأزمة المتضخمة يوما بعد يوم، لكي لا تتحول هذه الدول في يوم من الأيام إلى الانهيار التام على أيدي الكثير من مواطنيها الذين فقدوا طرق التفكير الصحيح القائم في الأساس على المصداقية مع الذات والاعتراف بالأخطاء لتقديم العلاج المناسب ومن ثم تحقيق التقدم والرقي.
على الصعيد الشخصي أو المؤسسي، لكي تصل إلى الأفضلية الحقيقية والمستحقة لابد أن تعترف بأخطاءك ونقائصك في وقفة مصارحة، فالغرب لم يصل إلى تقدمه على بلاد العالم الأخرى إلا عندما واجه ذاته بالحقائق وحينما توصل إلى الاعتراف بالخطأ استطاع أن يبحث عن العلاج فوجده لأن بحثه كان صادقا شفافا يسعى إلى حل حقيقي وعندما وجده طبقه حق التطبيق لكي يستطيع أن يصل إلى حضارته المعاصرة المتقدمة عن غيرها من الحضارات.
إذا تفرغت للدفاع عن نفسك وهويتك حفاظا على مظهرك أمام الناظرين برغم الأخطاء والنقائص الواضحة للجميع سوف يعبر عليك زمن بعد آخر وأنت تذهب من سئ إلى أسوأ ولن ينجدك أحد إلا ذاتك عندما تستفيق من انغماسها في تجاهل الأخطاء والنقائص متنازلة عن الغرور الذي طالما نسجته في نفسك وعقلك هروبا من مواجهة الحقائق، تلك الحقائق التي تسببت في جعل الدول العربية من أسوأ الدول في كل المجالات بعكس ما كانت عليه في الماضي السحيق.