السلايدر الرئيسيتحقيقات

العراق في قلب العاصفة.. تصاعد التوتر الإيراني الإسرائيلي يضع بغداد أمام اختبار صعب

لندن ـ يورابيا ـ تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع تصعيد عسكري غير مسبوق بين إيران وإسرائيل، وتجد العراق نفسه في قلب هذه المواجهة، في موقع جغرافي حساس وسياسي أكثر تعقيدًا. تتقاطع فيه الإرادات الدولية والإقليمية، بينما تحاول الحكومة العراقية جاهدة تجنب الانزلاق في هذا الصراع المحتدم.
ورغم أن الموقف الرسمي العراقي يسعى إلى اعتماد سياسة “النأي بالنفس” وتحييد البلاد عن مسار التصعيد، إلا أن الفصائل المسلحة الموالية لإيران تواصل إطلاق تهديدات مباشرة ضد المصالح الأميركية، الأمر الذي يُهدد بتحويل العراق إلى ساحة جديدة للمواجهة، في حال تطورت الأحداث إلى مواجهة أوسع.
تحذيرات غربية
في هذا السياق، أجرى وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي اتصالاً هاتفياً بنظيره العراقي فؤاد حسين

، شدد خلاله على أهمية تجنب انخراط الجماعات المسلحة في الصراع بين إيران وإسرائيل. وأوضح الوزير البريطاني أن بلاده لا تشارك في أي عمليات عسكرية جارية، وأن التنسيق مستمر مع فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة لتفادي التصعيد.
وأكد لامي أن “المملكة المتحدة ترى في الحلول الدبلوماسية السبيل الوحيد لتجنب كارثة إقليمية”، محذراً من أن أي هجمات على القوات الغربية المنتشرة في المنطقة قد تؤدي إلى نتائج خطيرة، داعيًا إلى حماية مضيق هرمز كونه شرياناً حيوياً للاقتصاد الأوروبي والعالمي.
وفي المقابل، عبّر وزير الخارجية العراقي عن تقديره للدور البريطاني، مجدداً التأكيد على تمسك بغداد بالحلول السياسية، محذراً من التداعيات الاقتصادية العالمية في حال استمر التصعيد، خاصة إذا أُغلق مضيق هرمز أو تحولت المواجهة إلى حرب مفتوحة.

تهديدات الفصائل

على الضفة الأخرى من المشهد العراقي، صعّدت الفصائل المسلحة المقربة من إيران من لهجتها. فقد هددت كتائب حزب الله، إحدى أبرز هذه الفصائل، باستهداف المصالح والقواعد الأميركية إذا تدخلت واشنطن لصالح إسرائيل في النزاع، كما طالبت بإغلاق السفارة الأميركية في بغداد.
كذلك، حذرت عصائب أهل الحق، على لسان الناطق العسكري باسمها، من المساس بالقيادة الإيرانية، مهددة بالرد إذا استُهدِف المرشد الأعلى علي خامنئي.
هذه المواقف تعكس حجم النفوذ الإيراني داخل العراق، وخطورة تحوّل الفصائل إلى أدوات ردع إيرانية تستخدم الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات، وهو ما يضع الحكومة في موقف حرج بين التزاماتها الدولية وواقعها الداخلي المعقّد.

السفارة الأمريكية هدف دائم

لطالما شكلت السفارة الأميركية في بغداد هدفًا مركزيًا لهذه الفصائل، وتعرضت خلال السنوات الماضية لهجمات صاروخية ومحاولات اقتحام. ومع تعيين واشنطن مؤخرًا لـستيفن فاغن قائمًا بأعمال السفارة بعد فترة فراغ دبلوماسي، فإن الولايات المتحدة ترسل إشارات باستمرار التزامها بوجودها في العراق، رغم التهديدات.
في ظل هذه التحديات، بدأت القوات الأمنية العراقية باتخاذ تدابير استباقية، حيث نفذت انتشارًا مكثفًا في مناطق غرب محافظة نينوى، وتحديدًا في المناطق الصحراوية القريبة من الحدود مع الأنبار وصلاح الدين.
وبحسب مصادر أمنية، فإن تلك المناطق قد تُستغل من قبل فصائل مسلحة لتنفيذ هجمات صاروخية أو عمليات عسكرية، بسبب وعورة تضاريسها وبعدها عن أعين الرقابة الأمنية. وتم رفع حالة التأهب إلى المستوى “ج”، وهو أعلى درجات الإنذار في الجيش العراقي.
وتهدف هذه الإجراءات إلى منع أي عمليات تُنفذ ضد القوات الأميركية أو الإسرائيلية انطلاقاً من الأراضي العراقية، ما يدل على حساسية المرحلة الحالية، والتخوف من استدراج العراق إلى أتون صراع إقليمي مفتوح.
من جانب آخر، أفادت مصادر أمنية بأن التحالف الدولي بقيادة واشنطن عزز تواجده في مناطق شمال شرق سوريا، خصوصاً في محافظة الحسكة الحدودية مع العراق. وذكرت تقارير صحفية أن أكثر من 100 شاحنة محملة بمعدات عسكرية ولوجستية عبرت من العراق إلى سوريا، متجهة إلى قواعد عسكرية في الشدادي، قسرك، وخراب الجير.
كما جرى نقل أنظمة رادار ودفاع جوي من العراق إلى سوريا، في إشارة واضحة إلى استعداد القوات الأميركية لأي سيناريو تصعيد محتمل، خصوصًا في ظل التهديدات التي تطالها من قبل الفصائل المسلحة.

 أربيل ليست بمنأى

ولم تكن أربيل بمنأى عن هذا التوتر، حيث نجحت منظومة الدفاع الجوي في القنصلية الأميركية في إسقاط طائرة مسيّرة مجهولة الهوية، مساء الأحد. الحدث يُبرز مدى يقظة القوات الأميركية وقلقها من استهداف مصالحها حتى في المناطق الآمنة نسبياً داخل إقليم كردستان.
كما شوهدت قنابل ضوئية فوق قاعدة خراب الجير بريف الحسكة السورية، فيما أفادت مصادر بسقوط طائرة مسيّرة إيرانية كانت تحلق في الأجواء. القاعدة سبق أن تعرضت لهجمات من داخل الأراضي العراقية، ما يعكس مدى تداخل خطوط المواجهة في المنطقة.
في ضوء كل هذه التطورات، تبدو الحكومة العراقية أمام معادلة شديدة الصعوبة: الحفاظ على السيادة، واحتواء الفصائل المسلحة، وتجنب الانجرار إلى صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.
ورغم المساعي السياسية والجهود الدبلوماسية، يظل الواقع الأمني هشًا، والخطر قائماً، خصوصًا في ظل تزايد الاستقطاب بين القوى الإقليمية والدولية، وتعاظم نفوذ الجماعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح العراق في تجنيب نفسه ويلات الحرب القادمة، أم سيكون ساحة جديدة لتصفية الحسابات؟ الجواب رهن بالتطورات القادمة، وبمدى قدرة بغداد على الإمساك بزمام الأمور وسط العاصفة الإقليمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى