أقلام يورابيا
أخر الأخبار

الشعور الزائف بالذنب.. بين التخاذل العربي والإنكار الإسرائيلي في مذابح غزة

أحمد المصري

منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، تتكرر مشاهد مألوفة في العالم العربي والمجتمع الإسرائيلي، تصريحات عن “الألم”، و”الذنب”، و”القلق الأخلاقي”.
في الجانب العربي، نسمع عن “حزن عميق” و”عجز مؤلم”، بينما في الجانب الإسرائيلي، تُطرح تساؤلات عن “الخطأ” و”الضريبة النفسية” التي يدفعها الجنود، وكأنهم ضحايا أيضًا.
لكن السؤال الأهم: هل هذا الشعور بالذنب حقيقي؟ أم أنه مجرد شعور زائف يُستخدم لتبرير العجز والتخاذل أو التواطؤ مع استمرار المذبحة؟
الشعور بالذنب هو استجابة نفسية طبيعية على ارتكاب خطأ أخلاقي. لكنه يتحول إلى شعور زائف عندما لا يتبعه تغيير حقيقي في السلوك أو الموقف، بل يُستخدم كغطاء أخلاقي للاستمرار في الفعل ذاته.
هذا هو الحال مع كثير من الأصوات الإسرائيلية التي تتحدث عن “ألم رؤية أطفال غزة يموتون”، لكنها في نفس الوقت تبرر استمرار العمليات العسكرية تحت شعار “حق الدفاع عن النفس”.
كذلك، يُعبّر العديد من العرب عن “حزنهم العميق” و”عجزهم الموجع”، لكنهم يكتفون بالكلمات، وكأن الحزن بحد ذاته كافٍ لتبرئة الضمير.
في كتابه “الفلسطينيون والإحساس الزائف بالذنب في الأدب الإسرائيلي”، يُحلل الدكتور رشاد عبد الله الشامي (وهو استاذي خلال دراستي للغة العبرية بجامعة عين شمس بالقاهرة في الثمانينيات) كيف يُستخدم الشعور بالذنب في الأدب العبري كأداة لتخفيف الضمير دون اتخاذ خطوات عملية نحو التغيير. يُظهر الدكتور الشامي أن هذا “الشعور الزائف بالذنب” يُستخدم كوسيلة لتبرير استمرار السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
ويشير الدكتور الشامي إلى أن العديد من الكتاب الإسرائيليين يعبرون عن مشاعر الذنب تجاه معاناة الفلسطينيين، إلا أن هذه المشاعر غالبًا ما تكون سطحية وتفتقر إلى التغيير الفعلي في السياسات أو المواقف. ويُظهر الدكتور الشامي في كتابه أن هذا “الشعور الزائف بالذنب” يُستخدم كوسيلة لتخفيف الضمير دون اتخاذ خطوات عملية نحو التغيير.
أما في الحالة العربية، فالصورة أكثر مأساوية من كونها مجرد كلمات. فالذنب العربي تجاه غزة يتخذ شكلًا خطابيًا، لا سياسيًا. بيانات من وزارات خارجية، مقالات لكتّاب محبطين (وانا من ضمنهم)، مظاهرات رمزية هنا وهناك، ثم صمت، فنسيان، بل يذهب البعض حد الخيانة بتحميل الضحية او المقاومة سبب ما تقوم به إسرائيل من مجازر.
يقول بعضهم: “نحن عاجزون، والأنظمة مكبّلة، والشارع بلا أدوات ضغط حقيقية”. هذا الكلام ليس كله باطلًا، لكن ما يغفلونه هو أن العجز لم يعد مجرد نتيجة، بل تحوّل إلى هوية سياسية—عذر دائم للانسحاب من الفعل، وملاذ أخلاقي لمن يريد التظاهر بالتعاطف دون دفع الثمن.
عندما يشعر الإنسان بالذنب ولا يتحرّك، فإن ذنبه يتحول إلى شكل من أشكال الخيانة العاطفية تجاه الضحية. إن المجازر لا تُدان بالقصائد والمراثي، بل بالفعل: بالمقاطعة، بالعصيان المدني، برفع الصوت حتى يكسر جدار الصمت والخذلان.
في عام 1982، وقعت مجازر صبرا وشاتيلا تحت أعين جيوش عربية وغربية، وشهد العالم أحد أبشع فصول التواطؤ الدولي.
صدرت آنذاك بيانات شجب كثيرة، تلتها لحظات صمت طويلة. قبلها، بعد نكبة 1948، امتلأ الخطاب العربي بعبارات من نوع “لن ننسى”، “العودة حق مقدس”، لكنها بقيت بلا حامل سياسي أو مشروع مقاومة جامع.
وإذا عدنا أكثر إلى الوراء، نجد في سقوط الأندلس مثالًا مشابهًا: قصائد الرثاء المدوية، ولكن دون أي تحرك موحَّد يوقف الانهيار. كان الذنب حاضرًا في الشعر والخطابة، لكنه غائب في القرار والاشتباك.
إن الشعور بالذنب غير المتحوِّل إلى فعل، يصبح مجرد تجميل أخلاقي للهزيمة.
الفرق بين الشعور بالذنب الصادق والزائف هو أن الأول يقود صاحبه إلى اتخاذ موقف حتى لو كان مكلفًا. الشعور بالذنب الصادق يعني قطع العلاقات، أو التظاهر، أو حتى تمزيق الصمت الداخلي.
أما الشعور بالذنب الزائف فهو وسادة ناعمة يضع فيها الضمير رأسه كي ينام بسلام، بينما الضحايا يدفنون موتاهم.
اليوم، تُستخدم مشاعر الذنب في الإعلام، والثقافة، وحتى في الدبلوماسية، كأداة لإنتاج واقع مأساوي جديد: التطبيع مع المجزرة. فـ”الإدانة دون أثر” و”الحزن دون تحرّك” و”الشعور بالعجز” ليست ادوات بريئة كما تبدو، بل هي جزء من آلية إعادة إنتاج القبول بالواقع، ومنح الاحتلال براءة مؤقتة من المسؤولية.
ما يحدث في غزة ليس مجرد “مأساة” عابرة يمكن للبشر أن يحزنوا عليها ثم يمضوا. إنها لحظة اختبار أخلاقي وإنساني عميقة.
وكل من يكتفي بـ”التألم” دون أن يتحرّك، هو جزء من المشكلة. الذنب الحقيقي يجب أن يقود إلى التمرّد، إلى العصيان، إلى الفعل.
أما الذنب الزائف، فهو مجرد قناع آخر لاستمرار الإبادة، بأيدٍ كثيرة، بعضها تضغط على الزناد، وبعضها تكتب بيانات شجب، ثم تنام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى